حديث الجمعة_المحبة الحقيقية للنبي صلى الله عليه وسلم

بقلم الشيخ د. أسامة حداد

المفتش العام للأوقاف في دار الفتوى

الحمد لله الذي أرسل نبيه رحمةً للعالمين، وهدايةً للناس أجمعين، وجعل رسالته نورًا يهدي القلوب، وشريعةً تبني الإنسان، ومنهجًا يبني الأمة. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، قائد الأمة، وإمام الرحمة، ومعلم البشرية، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ما أعظم أن نتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما أعظم أن تمتلئ القلوب بحبه! ولكننا حين نحتفل بمولده الشريف لا نريد أن يكون احتفالنا مجرد ذكرى عابرة، ولا كلمات جميلة تنتهي بانتهاء المناسبة، وإنما نريد أن نستحضر رسالته ومنهجه وقيادته التي استطاعت، في سنوات معدودة، أن تبني أمةً غيّرت وجه التاريخ.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

لقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المحبة ليست كلمات ولا شعارات، ولا قطع طرقات واحتفالات، وإنما المحبة الحقيقية أن يدخل النبي في حياتنا: في بيوتنا، ومعاملاتنا، وأخلاقنا، وتجارتنا، وعلاقاتنا بالناس.

قد يقول الإنسان: أنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن نسأله: هل صدقتَ في معاملتك كما كان صادقًا؟ هل حفظتَ الأمانة كما كان أمينًا؟ هل عفوتَ عمن ظلمك كما كان يعفو؟ هل رحمتَ الضعيف كما كان يرحم؟ هل أحسنتَ إلى جارك؟ هل حفظتَ لسانك عن الغيبة والنميمة والكذب؟ وهل كنت رحيمًا بأهلك وأولادك؟ فمن أراد أن يعرف مقدار محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فلينظر إلى أخلاقه.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمةً تمشي بين الناس؛ لم يقل للناس كونوا رحماء فحسب، بل كان هو الرحمة، ولم يدعُ إلى التواضع ثم يعيش متكبرًا، بل كان يجلس مع الفقراء، ويخالط الناس، ويخدم أهله، ولم يقل سامحوا فقط، بل كان يعفو وهو قادر.

وهنا تكمن عظمة القيادة النبوية: لم يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم ببناء الحجر، بل بدأ ببناء الإنسان، ولم يبدأ بالسيف، بل بدأ بالكلمة والإيمان والتربية. ربط الإنسان بخالقه، وربط الإنسان بأخيه الإنسان، ثم بنى من هؤلاء الأفراد أمةً تحمل رسالة.

وعندما وصل إلى المدينة المنورة، بنى المسجد، لكنه لم يكن مجرد جدران وحجارة؛ كان مدرسةً للتربية، ومركزًا للتآخي، ومنطلقًا لصناعة الإنسان والأمة. ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، فحوّل الإيمان من كلمة إلى أخوة، وجعل من المجتمع المتفرق مجتمعًا متماسكًا تسوده الرحمة والمسؤولية.

كانت الشريعة في عهده صلى الله عليه وسلم أحكامًا تُعاش، لا نصوصًا تُحفظ فقط، ولا خطابات فارغة المضمون والاهداف.

علّم القوي أن قوته أمانة، والغني أن ماله مسؤولية، والحاكم أن السلطة تكليف وليست تشريفًا، والأب أن أبناءه أمانة، والزوج أن زوجته شريكة له في الحياة، والإنسان أن لجاره والفقير والضعيف حقوقًا وكرامة.

وكان صلى الله عليه وسلم قويًا ولكن قوته لم تكن ظلمًا، وقادرًا ولكن قدرته لم تكن انتقامًا؛ جمع بين القوة والرحمة، والحزم والحكمة، والعدل والإحسان. ولذلك دخل إلى القلوب فلم يحتج إلى حرس يحرسون محبته، فأحبه أصحابه حبًا عظيمًا، لأنهم رأوا فيه الصدق قبل أن يسمعوا عنه، والرحمة قبل أن يتحدث عنها، والتواضع قبل أن يدعو إليه، والعدل قبل أن يأمر به. فكانت حياته تفسيرًا حيًا لشريعته.

وهذه المدرسة النبوية نحن أحوج ما نكون إليها اليوم.

فالأب قائد في بيته، والمعلم قائد في مدرسته، والإمام قائد في مسجده، والمسؤول قائد في مؤسسته، والتاجر قائد في سوقه، وكل إنسان قائد في دائرة مسؤوليته.

نريد أن نحيي هذه المدرسة في حياتنا: مسجدًا يبني الإنسان، وأسرةً ترعى الإنسان، ومدرسةً تربي الإنسان، وخطابًا دينيًا يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، يداوي ولا يجرح.

نريد أمةً إذا اختلفت لم تتباغض، وإذا اختلفت في الرأي لم تتهم، وإذا اختلفت في السياسة لم تسقط أخلاقها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا أن الاختلاف لا يبيح الظلم، وأن الخصومة لا تبيح الفجور، وأن القوة لا تبيح العدوان.

إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست موسمًا ينتهي، ولا مناسبة تمرّ، وإنما هي عهد يومي. لا تجعلوا محبته موسمًا في العام، بل اجعلوها منهجًا في الحياة. ففي الطريق لا تؤذِ، وفي العمل لا تغش، وفي التجارة لا تخدع، وفي الخصومة لا تظلم، وفي وسائل التواصل لا تشهّر ولا تنشر ما يسيء إلى الناس.

قد لا يعرف الناس شيئًا عن دينك، لكنهم يعرفون دينك من خلالك؛ وقد تكون أخلاقك أبلغ من ألف كلمة.

فالمولد الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم ليس أن يولد اسمه على ألسنتنا مرة كل عام، بل أن تولد سنته في حياتنا كل يوم، وأن يولد في بيوتنا خلق جديد، وفي مجتمعنا رحمة جديدة، وفي سلوكنا صدق وأمانة وعفو وتواضع.

نحبك يا رسول الله، ولكننا نعلم أن المحبة مسؤولية. نحبك، ولذلك نريد أن تكون أخلاقنا شهادةً على صدق محبتنا لك.

اللهم ارزقنا صدق محبته، وحسن اتباعه، والاقتداء بهديه، وحب سنته وآل بيته وصحابته. اللهم لا تجعل احتفالنا بمولد نبيك صلى الله عليه وسلم كلمات بلا أثر، ولا مشاعر بلا عمل، واجعل حبنا له طاعة، واتباعنا له عبادة، وأخلاقنا ترجمانًا لمحبتنا.

وكل عام ونحن أكثر صدقًا في محبته، وأكثر التزامًا بسنته، وأكثر عملًا برسالته.

الشيخ د. أسامة حداد