جوزاف عون… رئيس غير تقليدي / 1

بقلم دافيد عيسى

سياسي لبناني

في مرحلة تتّسع فيها الهوّة بين المسؤول والمواطن، وتتراجع ثقة الناس بمؤسسات الدولة، يبرز رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بنهج مغاير عمّا اعتاده اللبنانيون من أسلافه.

فمن خلال زياراته الميدانية إلى المناطق ولقاءاته المباشرة مع المواطنين، يحرص على الإصغاء إلى هواجسهم والاطّلاع على مشكلاتهم واحتياجاتهم، كاسرًا الحواجز بين المسؤول والمواطن.

فالرئاسة، في مفهومه، ليست مجرّد منصب تحكمه المظاهر والبروتوكولات، بل مسؤولية وطنية تفرض على من يتولاها أن يكون قريبًا من شعبه، حاضرًا بين الناس، ومتابعًا لشؤونهم، في ظل الظروف الصعبة.

وانطلاقًا من خلفيته العسكرية وإلمامه بواقع الأرض، يدرك عون أنّ تحمّل المسؤولية لا يقتصر على إدارة الشؤون من خلف المكاتب، بل يستوجب الحضور الميداني والإنصات إلى المواطنين والتفاعل مع قضاياهم.

وتبرز أهمية هذا النهج في ظلّ تفشّي الفساد في إدارات الدولة وما يسبّبه من أعباء على الشعب.

فاستعادة الدولة ثقة مواطنيها لا تتحقّق بالشعارات وحدها، بل بأن تكون قريبة منهم، حاضرة في قضاياهم، ومواكبة لهمومهم وتطلّعاتهم.

وفهم معاناتهم لا يأتي من التقارير بل من الاطّلاع ميدانيًا على مطالبهم، ثم متابعة معالجتها.

ومن الجنوب، الذي زاره في ذروة الحرب متحدّيًا القصف والمخاطر التي هدّدت حياته وحياة مرافقيه، وصولًا إلى طرابلس، عاصمة لبنان، عكست زيارات الرئيس إيمانًا بأنّ الدولة لا يجوز أن تغيب عن مواطنيها، ولا سيّما في أحلك الظروف.

وشكّلت زيارته إلى طرابلس، برفقة عدد من الوزراء وقادة امنيين ورئيس الهيئات الاقتصادية، محطة بارزة في العلاقة بين رئاسة الجمهورية والمدينة التي عانت طويلًا الإهمال والتهميش، رغم إرثها التاريخي وطاقاتها البشرية ومقوّماتها الاقتصادية القادرة على الإسهام في نهضة لبنان.

واستهلّ الرئيس زيارته من سراي طرابلس، حيث التقى المسؤولين والمعنيين وشدّد على ضرورة وضع حدّ للإهمال الذي عانت منه المدينة لسنوات.

ثم توجّه إلى ساحة النور، حيث احتشد الأهالي لاستقباله. وهناك، ترجل من موكبه وصافح المواطنين واستمع إلى مطالبهم، في مشهد عكس حرصه على التواصل المباشر معهم.

لكنّ الأهمية الحقيقية للزيارة تكمن في إدراك أنّ طرابلس لا تحتاج إلى وعود عابرة، بل إلى رؤية إنمائية متكاملة وخطة جدّية تعالج أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وتفتح آفاقًا أمام شبابها عبر توفير فرص العمل واستقطاب الاستثمارات وتفعيل مرافقها الحيوية، وفي مقدّمها المرفأ، بما يعيد إليها مكانتها الاقتصادية ودورها المحوري.

وشدّد على الانتقال من توصيف الأزمات إلى معالجتها بخطوات عملية تستثمر قدرات المدينة.

فطرابلس، بما تمتلكه من إمكانات، لا يجوز أن تبقى أسيرة الحرمان، ولا أن يظلّ أهلها ينتظرون وعودًا تتكرّر من دون أن تتحوّل إلى مشاريع ملموسة.

أمّا في الجنوب، فإنّ الحضور الرئاسي في منطقة عانت ويلات الحرب ودمارها يحمل معنى وطنيًا وإنسانيًا عميقًا.

فأهل الجنوب، الذين دفعوا أثمانًا باهظة نتيجة الحروب والأزمات، يحتاجون إلى الشعور بأنّ دولتهم تقف إلى جانبهم، وأنّ إعادة الإعمار ودعم صمودهم وتمسّكهم بأرضهم ليست شعارات، بل مسؤوليات وطنية تستوجب العمل والمتابعة.

وتبرز أهمية أن يكون الرئيس على تماسّ مباشر مع المناطق، وأن يستمع إلى أهلها ويضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم.

فالمعاينة المباشرة تساعد على فهم المشكلات وتحديد الأولويات بعيدًا عن الصورة التي قد تنقلها التقارير الرسمية وحدها.

وهنا يكمن أحد أوجه الاختلاف الذي قد يجعل جوزاف عون رئيسًا غير تقليدي: أن يكون الحضور الميداني مدخلًا إلى تحمّل المسؤولية، لا غاية في حدّ ذاته، وأن تتحوّل الزيارة إلى مسار من المتابعة والإنجاز.

غير أنّ الموضوعية والإنصاف يقتضيان الإقرار بحجم التحدّيات التي واجهت العهد منذ بدايته.

فعون لم يتسلّم دولة تنعم بالاستقرار والتماسك، بل وطنًا مثقلًا بإرث طويل من الحروب والأزمات، وبأعباء اقتصادية ومالية واجتماعية وسياسية عميقة، في ظلّ تراجع ثقة المواطنين بقدرة الدولة على تأمين مقوّمات العيش الكريم.

لذلك، لا يجوز تقييم أدائه بمعزل عن الظروف الاستثنائية وحجم الأعباء التي ورثها.

ومن هنا، تبرز ضرورة اعتماد معيار منصف وموضوعي يأخذ في الحسبان التحدّيات القائمة، والخطوات المتّخذة لمواجهتها، والنتائج الملموسة التي تحقّقها.

يتبع غداً

دافيد عيسى