بقلم دافيد عيسى
جاءتني فكرة هذا المقال وأنا أودّع كريم، شابًا من أقربائنا، أنهى دراسته الثانوية في بيروت، وكان يستعد لمغادرة الوطن متوجّهًا إلى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة دراسته والتخصّص في المجال الذي اختاره، بحثًا عن مستقبل أفضل، وسعيًا إلى الأمان والاستقرار.
وكريم هو الابن الوحيد لوالديه، الأمر الذي جعل لحظة الوداع أكثر قسوة وثقلًا على قلب أمّه وأبيه.
وبعد أن تمنّينا لهم سفرًا ميمونًا، وقبل أن أغادر منزلهم، طلب إليّ والده، وهو رجل أعمال ناجح وشريك في عدد من المؤسسات الكبيرة والمعروفة، أن أكتب شيئآ عن هجرة الشباب وعن مخاطرها وقسوتها، وعن ذلك الوجع الصامت الذي يسكن قلوب الأهل حين يرحل أبناؤهم بعيدًا عنهم؛ فيتركون خلفهم بيوتًا ألفت حضورهم، وأماكن تحفظ تفاصيلهم، وقلوبًا تبقى معلّقة بهم، مهما باعدت بينهم المسافات.
في تلك اللحظة، شعرت أنني أمام حكاية وطن يخسر شبابه، وعائلات تدفع ثمن هذا الرحيل من أعصابها وقلوبها، في انتظار طويل، واشتياق لا ينتهي، وقلق يرافق كل يوم من أيام الغربة.
وما يزيد هذا الرحيل ألمًا أن الأهل يجدون أنفسهم أمام واقع لم يتمنّوه لأبنائهم، فيودّعونهم على أمل اللقاء، فيما يبقى الوطن خاسرًا جزءًا من شبابه وقدراته.
أسباب الهجرة كثيرة، وفي مقدّمها غياب الاستقرار والأمان، والضيق الاقتصادي، وتراجع فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة.
فكثير من الشباب يتخرّجون من الجامعات حاملين الشهادات والطموحات، لكنهم لا يجدون عملًا يتناسب مع اختصاصاتهم أو يؤمّن لهم حياة كريمة.
والأسوأ أن الشاب يشعر أحيانًا بأن أحلامًا أساسية، كالاستقلال وشراء منزل والزواج وتكوين أسرة، أصبحت بعيدة المنال في وطنه. فيجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن فرصة في الخارج، لا رغبةً في الابتعاد عن وطنه، بل بحثًا عن حياة يستطيع فيها أن يبني مستقبله ويحافظ على كرامته.
وتؤكد الدراسات والإحصاءات أن خطورة الهجرة لا تكمن فقط في أعداد الذين يغادرون، بل في طبيعة الفئات التي تخسرها البلاد.
فقد أشارت بيانات نقلتها «الدولية للمعلومات» إلى أن نحو 70% من المهاجرين، في إحدى الفترات، تراوحت أعمارهم بين 24 و40 عامًا، أي في المرحلة الأكثر قدرة على العمل والإنتاج وتأسيس الأسر.
كما أن أصحاب الشهادات الجامعية والكفاءات المهنية يشكّلون نسبة مهمة من المهاجرين، ما يجعل الظاهرة نزفًا حقيقيًا في الرأسمال البشري اللبناني.
ومنذ بداية الانهيار الاقتصادي عام 2019، وصولًا إلى الحرب اللبنانية-الإسرائيلية الأخيرة، شهد لبنان موجات متتالية من الهجرة. وقد دفعت الحرب، بما رافقها من خوف وقلق على المصير، آلاف اللبنانيين، ولا سيما الشباب، إلى مغادرة البلاد بحثًا عن الأمان والاستقرار.
وهكذا، لم يعد لبنان يخسر شبابه بسبب الأزمات الاقتصادية وحدها، بل نتيجة تراكم أزمات أمنية وسياسية واجتماعية جعلت كثيرًا من الشباب يشعرون بأن بناء مستقبل مستقر في وطنهم أصبح أكثر صعوبة.
وهذا يعني أن لبنان لا يخسر مجرد أعداد من السكان، بل يخسر أطباء ومهندسين وأساتذة وباحثين ومبرمجين وأصحاب مهن وكفاءات كان يمكن أن يؤدّوا دورًا أساسيًا في إنقاذ الاقتصاد وبناء المستقبل.
ولا تقتصر الخسارة على سوق العمل أو الاقتصاد، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فالأهل في لبنان يبذلون سنوات طويلة من الجهد، وينفقون مبالغ كبيرة على تعليم أبنائهم وتأهيلهم وتطوير مهاراتهم، إلا أن ثمار هذا الاستثمار غالبًا ما تستفيد منها دول أخرى تستقطب كفاءات شابة جاهزة ومدرّبة.
وفي الوقت نفسه، يفاقم استمرار هجرة الشباب الاختلال الديموغرافي في لبنان، نظرًا إلى أن هذه الفئة تمثّل الشريحة الأكثر قدرة على الزواج والإنجاب وتكوين الأسر. وبالتالي، فإن تزايد خروجها من البلاد يسهم في انخفاض معدلات النمو السكاني وارتفاع نسبة كبار السن، فضلًا عن زيادة الضغوط على البنية الاجتماعية والاقتصادية والصحية في المجتمع اللبناني.
لكن الهجرة لا تؤلم الوطن وحده، بل تترك جرحًا عميقًا في قلوب الأهل.
فالأهل الذين تعبوا في تربية أبنائهم وتعليمهم، وكانوا يحلمون بأن يكونوا سندًا لهم في الكِبَر، يجدون أنفسهم يودّعون أبناءهم في المطارات، ثم يعيشون على الاتصالات والصور ومكالمات الفيديو. عائلات كثيرة أصبحت ترى أبناءها وأحفادها عبر الشاشات، وتحولت المناسبات التي كانت تجمعها إلى لقاءات مؤقتة تنتظر موعدها من عام إلى آخر.
لكن المأساة لا تتوقف عند من يغادر. فحتى الشباب الذين يبقون في لبنان، ولا يملكون القدرة على السفر أو الهجرة، لا يعيشون بالضرورة في أمان. فبعضهم يسقط ضحية السلاح المتفلّت، وبعضهم يفقد حياته على الطرقات، فيما يلقى آخرون حتفهم في حوادث الدراجات النارية نتيجة مخالفة قوانين السير أو غياب الرقابة والردع الكافيين.
وهكذا، يجد لبنان نفسه أمام نزيف مزدوج لشبابه: من يستطيع الرحيل يغادر بحثًا عن الأمان والمستقبل، ومن يبقى قد يجد نفسه مهدّدًا في حياته بسبب الفوضى وغياب تطبيق القانون. وفي الحالتين، يخسر الوطن أغلى ما لديه: شبابه.
ومع ذلك، لا يمكن أن نلوم الشاب الذي يهاجر بحثًا عن حياة كريمة. فمن حقه أن يبحث عن الأمان والعمل والاستقرار، وأن يبني مستقبله ويحافظ على كرامته.
وهنا تكمن المعادلة الصعبة والمؤلمة: الشاب يهاجر لكي يعيش بكرامة، والأهل يتألمون لفراقه رغم تمنياتهم له بالخير والتوفيق، والوطن يخسر في المقابل طاقاته الشابة التي يحتاج إليها للنهوض.
الهجرة ليست قدرًا محتومًا، لكنها تصبح كذلك عندما يفقد الشباب الثقة بإمكانية التغيير.
لذلك، فإن معالجة المشكلة لا تكون بمطالبة الشباب بالبقاء فقط، بل بتوفير الأسباب التي تجعلهم يرغبون في البقاء: الأمن والاستقرار، وفرص العمل، والاقتصاد المنتج، والتعليم الجيد، وتطبيق القانون، ودولة تمنح الشباب الثقة بأن تعبهم لن يذهب سدى.
فالشاب لا يحتاج إلى الشعارات بقدر ما يحتاج إلى فرصة حقيقية تجعله يقول: أستطيع أن أبني مستقبلي هنا.
هجرة الشباب اللبناني ليست مجرد أرقام في التقارير، بل هي قصص عائلات تفرّقت، وأحلام غادرت، وطاقات كان يمكن أن تسهم في بناء لبنان.
وقد يكون السفر بابًا للنجاح بالنسبة إلى الفرد، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الوطن عاجزًا عن إقناع أبنائه بأن مستقبلهم يمكن أن يكون فيه. والأخطر من الهجرة نفسها أن تتحول إلى قطيعة دائمة مع الوطن، وأن يفقد الشباب فكرة العودة، متخذين من المثل الشعبي القائل: «مطرح ما ترزق إلزق» شعارًا لحياتهم ومستقبلهم.
لذلك، فإن مواجهة هجرة الشباب يجب أن تكون أولوية وطنية حقيقية، لأن إنقاذ لبنان لا يكون فقط بإعادة إعمار الحجر، بل بالحفاظ على الإنسان، ولا سيما الشباب الذين يمثلون أمل الوطن ومستقبله.
ولعلّ كريم، الذي غادر وطنه بحثًا عن العلم والمستقبل، ليس إلا صورة عن آلاف الشباب اللبنانيين الذين يقفون اليوم أمام الخيار نفسه: أن يبقوا في وطن لا يمنحهم ما يحتاجون إليه لبناء حياتهم، أو أن يرحلوا بحثًا عن فرصة في مكان آخر.
فإذا كان الشباب هم مستقبل لبنان، فإن حماية مستقبل لبنان تبدأ بمنح شبابه سببًا حقيقيًا للبقاء.
دافيد عيسى