أمن لبنان ودول الخليج خط أحمر
بقلم د. ابراهيم العرب
يقف لبنان اليوم عند مفترق دقيق من التحولات الإقليمية المتسارعة، حيث تتشابك ساحات الاشتباك وتتبادل القوى رسائلها العسكرية على إيقاع تصعيد مفتوح الاحتمالات. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يمكن النظر إلى أمن لبنان بمعزل عن أمن دول الخليج العربي، فالعلاقة بينهما ليست ظرفية أو عابرة، بل هي ترابط عضوي يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي، والأمني بالإنساني.
تقتضي المصلحة الوطنية اللبنانية ترسيخ مبدأ الحياد الإيجابي كخيار سيادي ثابت، لا كشعار مرحلي. فالحياد، في معناه الدستوري والقانوني، يعني امتناع الدولة عن الانخراط في نزاعات الآخرين، مقابل التزامها الصارم بالشرعية الدولية ومنع استخدام أراضيها منطلقًا للإضرار بالغير. وفي الحالة اللبنانية، يشكل هذا الخيار ضمانة وجودية لحماية السلم الأهلي وصون وحدة المجتمع والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، فإن استهداف دول الخليج بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة، تحت أي ذريعة، يشكل انتهاكًا صريحًا لمبدأ عدم استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. فالاعتداء على عواصم كبرى مثل الرياض أو الدوحة أو أبوظبي أو المنامة أو الكويت أو مسقط لا يمكن تبريره بمنطق الرد المشروع، بل يوسّع دائرة النزاع لتشمل دولًا ذات سيادة لم تكن طرفًا مباشرًا فيه.
وتكتسب الرياض رمزية خاصة، باعتبارها عاصمة المملكة العربية السعودية وحاضنة الحرمين الشريفين، بما تمثله من ثقل ديني وروحي للعالم الإسلامي. وأي مساس بها لا يُقرأ سياسيًا فحسب، بل يحمل أبعادًا رمزية عميقة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.
إن أمن الخليج ليس شأنًا إقليميًا محدودًا، بل هو ركيزة في منظومة الأمن القومي العربي والاستقرار الاقتصادي العالمي. فدول مجلس التعاون تمثل عنصرًا أساسيًا في معادلة الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، وأي اضطراب أمني فيها ينعكس فورًا على الأسواق العالمية ويضاعف هشاشة الاقتصاد الدولي.
ومن منظور لبناني خالص، فإن أي إضرار بأمن الخليج سينعكس مباشرة على لبنان، بحكم الروابط الاقتصادية المتينة، ووجود جاليات لبنانية واسعة، إضافة إلى الاستثمارات والتحويلات المالية التي تشكل متنفسًا حيويًا للاقتصاد اللبناني. من هنا، فإن حماية استقرار الخليج هي أيضًا حماية لمصالح لبنان الحيوية.
غير أن الاتساق يفرض معادلة واضحة: كما نطالب باحترام سيادة الدول الخليجية، علينا أن نكرّس سيادة الدولة اللبنانية كاملة غير منقوصة. فلا يستقيم الدفاع عن سيادة الخارج فيما قرار الحرب والسلم في الداخل ليس حكرًا على المؤسسات الدستورية. إن حصر هذا القرار بيد الدولة وحدها هو الأساس لأي حياد فعلي، وهو الضمانة لمنع تحويل لبنان إلى ساحة رسائل أو منصة لصراعات الآخرين.
لقد أثبتت التجارب أن الدول الصغيرة، المثقلة بالأزمات الاقتصادية، لا تملك ترف الانخراط في حروب المحاور. ولبنان، في ظل أزمته المالية العميقة وهشاشة بنيته المؤسسية، سيكون الخاسر الأكبر من أي تصعيد واسع، سواء عبر استهداف بنيته التحتية أو تعميق انقساماته أو تعريض شعبه لمخاطر جسيمة.
في المقابل، أظهرت دول الخليج قدرًا من الانضباط في إدارة التوترات، عبر تعزيز جاهزيتها الدفاعية والسعي إلى احتواء التصعيد، إدراكًا منها أن الحروب، مهما بدت محدودة، قابلة للاتساع والخروج عن السيطرة.
إن رفض مبدأ «الرد الموسّع» ضرورة قانونية وسياسية، لأن قبوله يفتح الباب أمام انهيار قواعد النظام الدولي، ويبرر استهداف أي دولة بسبب تحالفاتها أو علاقاتها الدفاعية. وهو منطق، إن طُبّق في الخليج اليوم، قد يُستخدم غدًا لتبرير انتهاك سيادة لبنان نفسه.
وعليه، فإن المعادلة الوطنية المتوازنة تقوم على:
– تحييد لبنان فعليًا عن صراعات المحاور.
– حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها.
– رفض أي اعتداء على دول الخليج أو مساس بسيادتها.
– دعم المسارات الدبلوماسية والحوار الإقليمي كخيار وحيد لاحتواء التصعيد وتجنب الانزلاق نحو حروب مفتوحة.
إن أمن لبنان ودول الخليج خط أحمر، ليس بدافع العاطفة أو الخطابة السياسية، بل انطلاقًا من حسابات سيادية واستراتيجية وقانونية متكاملة. فالدفاع عن سيادة العواصم الخليجية هو دفاع عن مبدأ السيادة ذاته، الذي يشكل حجر الزاوية في حماية لبنان من الانجرار إلى حروب ليست حروبه، ومن دفع أثمان صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
في زمن الفوضى الإقليمية والاستقطاب الحاد، لا تكمن البطولة في رفع منسوب الخطاب التصعيدي، بل في خفض منسوب المخاطر الوجودية. ولا يتحقق الحفاظ على الكرامة الوطنية بالمغامرات غير المحسوبة، بل ببناء دولة قادرة تحتكر السلاح، وتحسن قراءة موازين القوى، وتستثمر في الدبلوماسية بدلًا من التصعيد العسكري.
إن لبنان، بتاريخه وتنوعه وموقعه، مؤهل لأن يكون جسر حوار لا ساحة صراع، ومنصة تفاهم لا منطلق صواريخ. لكن هذا الدور لا يتحقق إلا بقرار سيادي واضح، يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويحمي المواطن من تبعات الحسابات الإقليمية والدولية.
كما أن دول الخليج، بثقلها الاقتصادي ودورها المحوري في الاستقرار الإقليمي، تمثل عمقًا استراتيجيًا للبنان لا يمكن الاستهانة به. فالعلاقة معها ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية وإنسانية. والإضرار بها يعني، في نهاية المطاف، الإضرار بمصالح اللبنانيين أنفسهم، من العاملين في الخليج إلى المستفيدين من الاستثمارات والمساعدات والتحويلات المالية.
إن الاتساق في الموقف يعني أن نرفض ازدواجية المعايير: فلا يمكن أن نطالب بحماية سيادتنا ونحن نقبل بانتهاك سيادة الآخرين. ولا يمكن أن ندافع عن حق لبنان في عدم التدخل في شؤونه ونحن نسمح باستخدام أرضه للتدخل في شؤون غيره. هذا التناقض لا يخدم لبنان، بل يعزله ويضعفه ويجعله هدفًا سهلًا في معادلات الصراع الإقليمي.
إن الخيار الوطني الحقيقي يتطلب شجاعة سياسية لمواجهة الواقع بوضوح: لبنان لا يملك ترف الحروب، ولا قدرة على تحمل تبعاتها. وما يحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، بل سياسة واقعية تحمي مصالحه، وتصون سيادته، وتبني علاقات متوازنة مع محيطه العربي والإقليمي.
في الختام، إن المعادلة واضحة وبسيطة: أمن الخليج مصان، وأمن لبنان محمي، والسيادة محترمة في الداخل والخارج على حد سواء. هذا هو الطريق الوحيد لبناء مستقبل مستقر، يحفظ كرامة الشعوب، ويصون حقوق الدول، ويمنع تحويل المنطقة إلى ساحة حروب لا نهاية لها.
وهكذا فقط يمكن للبنان أن يستعيد دوره الحضاري، وأن يكون نموذجًا للتعايش والحوار، لا ضحية للصراعات والمحاور. وهكذا فقط تبقى دول الخليج ركيزة استقرار إقليمي ودولي، بعيدًا عن منطق الاستهداف والثأر الذي لا يولّد إلا مزيدًا من الدمار والخراب.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.