التعديل الوزاري في لبنان وضرورات الإصلاح / 2

11

المحامي أسامة العرب
هنا تظهر إحدى أكثر المسائل حساسية في التجربة الدستورية اللبنانية بعد الطائف. فالإقالة الصريحة للوزير تستوجب موافقة ثلثي أعضاء الحكومة، وفق المادة 65. لكن التجربة السياسية اللبنانية شهدت حالات جرى فيها تعديل توزيع الحقائب من دون استعمال صيغة «الإقالة» ابتداءً، بحيث تُسحب من وزير حقيبته ويُعيَّن وزيراً للدولة أو تُسند إليه حقيبة أخرى، فيما تنتقل حقيبته السابقة إلى وزير آخر.
وقد شهدت التسعينيات نماذج بارزة لذلك. ففي عام 1993، عُدّل موقع الوزير جورج أفرام، فنُقلت إليه صفة وزير دولة وأسندت حقيبة الموارد المائية والكهربائية إلى الوزير إلياس حبيقة. والأهم أن هذه السابقة لم تبقَ في المجال السياسي وحده، بل وصلت إلى مجلس شورى الدولة. ففي قضية الوزير أفرام، صدر القرار رقم 189 بتاريخ 13 كانون الثاني 1995، ورد المراجعة لعدم قابلية المرسوم للطعن، باعتباره من الأعمال الحكومية.
كما شهدت حكومة الرئيس رفيق الحريري في عام 1994 انتقال حقيبة الداخلية من الوزير بشارة مرهج إلى الوزير ميشال المر، مع تحول مرهج إلى وزير دولة. وهذا التاريخ القضائي والسياسي يبين أن تعديل توزيع الحقائب ليس مجرد تفصيل بروتوكولي. فهو قد يصبح، في ظروف معينة، الوسيلة العملية لإعادة ترتيب الحكومة من دون اللجوء مباشرة إلى الإقالة الصريحة.
لكن ينبغي الحذر في وصف كل نقل لحقيبة بأنه «إقالة مقنعة». فالعبرة قانوناً ليست في الانطباع السياسي وحده، بل في مضمون المرسوم وآثاره وفي طبيعة السلطة التي استُخدمت لإصداره. وفي المقابل، إذا استُعمل تغيير الحقيبة بصورة تستهدف عملياً إنهاء الدور الوزاري لشخص معين، فإن السؤال الدستوري المشروع يصبح: هل نحن أمام إعادة توزيع طبيعية للحقائب، أم أمام وسيلة للالتفاف على الضمانة التي أراد الدستور توفيرها للوزير؟
ومن الخطأ أيضاً التعامل مع صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في هذا المجال وكأنها صلاحيات شخصية مطلقة. فالمادة 53 تتحدث عن إصدار مرسوم تشكيل الحكومة بالإتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، كما أن إقالة الوزير ترتبط بالموافقة المطلوبة داخل مجلس الوزراء وفق المادة 65. وهذا يعكس فلسفة دستورية واضحة بعد اتفاق الطائف: السلطة التنفيذية لم تعد متمركزة في شخص رئيس الجمهورية، بل أصبحت منوطة بمجلس الوزراء مجتمعاً، مع توزيع دستوري للصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء. ومن هنا، فإن أي تعديل وزاري جدي لا يمكن أن يكون مجرد قرار فردي، حتى لو امتلك أصحابه أسباباً سياسية أو إدارية مقنعة. فالدستور لا ينظم فقط «من يقرر»، بل يضع أيضاً مساراً إجرائياً للتغيير. كما أن الاستقرار الحكومي ليس مجرد قيمة سياسية؛ بل هو مصلحة دستورية مرتبطة باستمرارية السلطة التنفيذية وعدم تحويل الحكومة إلى مجموعة من المناقلات المتلاحقة التي تفقدها القدرة على تنفيذ برنامجها.
وهنا يبقى السؤال الأعمق: لماذا يُطرح التعديل الوزاري الآن؟ فإذا كان الهدف تصحيح الأداء، واستبدال وزير ثبت عجزه عن إدارة وزارته، أو إعادة توزيع الحقائب بما يجعل المسؤولية السياسية أكثر وضوحاً، فإن التعديل يصبح أداة من أدوات العمل الحكومي الطبيعي. أما إذا تحوّل إلى وسيلة لإرضاء القوى السياسية، أو إعادة توزيع الحصص، أو فتح الباب أمام المزيد من المطالب الوزارية، فإن التعديل قد يفقد وظيفته الإصلاحية ويصبح مجرد إعادة إنتاج للتوازنات نفسها بأسماء مختلفة.
وهنا تكمن المفارقة اللبنانية: حتى أولئك الذين يرفعون شعار الكفاءة والاستقلالية قد يجدون أنفسهم، عند لحظة التعديل، داخل شبكة المصالح السياسية والطائفية ذاتها التي يفترض أن يتجاوزها التعديل. لذلك فإن التعديل الوزاري الناجح، بالمعنى المؤسسي لا السياسي، لا يُقاس بعدد الوزراء الذين يغادرون ولا بعدد الوجوه الجديدة التي تدخل الحكومة، بل بمدى ارتباط التغيير بمعيار واضح للمسؤولية والمساءلة والكفاءة، وبمدى احترامه للقواعد الدستورية التي تحكم تشكيل السلطة التنفيذية واستمرارها.
في الختام، إن التعديل الوزاري في لبنان ليس عملية ميكانيكية تبدأ بانتقاء أسماء وتنتهي بإصدار مراسيم. إنه مسار دستوري وسياسي دقيق، تتقاطع فيه صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء ومجلس النواب، وتفرض فيه طبيعة النظام اللبناني التوافقي حسابات تتجاوز الأشخاص والحقائب إلى بنية التمثيل داخل السلطة التنفيذية.
والدستور، وإن لم يضع باباً مستقلاً بعنوان «التعديل الوزاري»، لم يترك المسألة بلا ضوابط؛ فقد رسم من خلال أحكام تشكيل الحكومة وإقالة الوزراء واستقالتهم، ومن خلال قاعدة الثقة والمسؤولية الوزارية وحدود فقدان أعضاء الحكومة، الإطار الذي ينبغي أن تتحرك داخله أي عملية تعديل.
أما السياسة، فمساحتها واسعة في لبنان، لكنها ليست بلا حدود. والاختبار الحقيقي لأي تعديل مرتقب لن يكون في الأسماء التي ستدخل الحكومة أو تغادرها، وإنما في الطريقة التي يتم بها التغيير، والغاية التي تقف وراءه، ومدى احترامه للدستور، وقدرته على تحويل التعديل من مجرد تبديل في الوجوه إلى تصحيح فعلي في أداء السلطة التنفيذية.
وفي دولة تتعدد فيها مراكز النفوذ وتتشابك فيها الاعتبارات السياسية والطائفية مع مقتضيات الإدارة، تبقى القاعدة الأهم أن التغيير الحكومي لا يكتسب مشروعيته من التوافق السياسي وحده، بل من احترام الدستور، ومن وضوح المسؤولية، ومن اقتناع المواطن بأن الدولة لا تغيّر وزراءها لمجرد تغيير موازين القوى، بل حين يصبح التغيير ضرورة لخدمة المصلحة العامة واستعادة الثقة بالمؤسسات.
المحامي أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.