الكويت ليست ساحة حرب

25

بقلم د. يوسف العميري

الكويت.. في كل مرة تتصاعد فيها الأزمات في المنطقة، تثبت الكويت انها مختلفة، مختلفة في خطابها وفي سياستها، وفي نظرتها إلى الأمن والاستقرار، فمنذ نشأتها لم تكن الكويت دولة تبحث عن الصراعات، ولم تكن يوما جزءا من مشاريع الهيمنة أو المغامرات العسكرية، بل اختارت طريقا آخر أكثر صعوبة وأكثر نبلا:.. طريق السلام.

ولهذا فإن استمرار الهجمات الإيرانية التي تستهدف الأراضي الكويتية، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيرة، أمر لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تطور عسكري عابر أو تفصيلا ضمن صراع إقليمي أكبر، فالكويت ليست طرفا في هذه المواجهة، ولم تكن يوما مصدر تهديد لأحد، بل كانت دائما صوت العقل حين ارتفعت أصوات البنادق، وصوت الحوار حين تعالت أصوات الحرب.

ما حدث من تصدي الدفاعات الجوية الكويتية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة معادية، وما تبعه من دوي صفارات الإنذار في أنحاء البلاد، لا يمثل فقط اعتداء على سيادة دولة مستقلة، بل اعتداء على نموذج كامل اختار أن يبني علاقاته الخارجية على التوازن والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين.

المؤلم أن الكويت، التي دفعت أثمانا باهظة بسبب الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة عبر العقود، تعرف أكثر من غيرها معنى الأمن ومعنى فقدانه، ولذلك كانت دائما من أكثر الدول حرصا على تجنيب المنطقة أي مواجهة عسكرية واسعة، لم تتوقف عن الدعوة إلى الحوار، ولم تتخل عن دورها كجسر للتقارب بين الخصوم، ولم تغلق أبوابها أمام أي جهد يهدف إلى خفض التوتر وإبعاد شبح الحرب عن شعوب المنطقة.

لكن السلام لا يعني الضعف، والحكمة لا تعني التساهل مع الاعتداءات، فمن حق الكويت، بل من واجبها، أن تدافع عن سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها، ومن حق الكويتيين أن يشعروا بالغضب والاستنكار عندما تتحول سماء بلادهم إلى ممر للصواريخ والطائرات المسيرة، أو عندما يصبح أمنهم رهينة حسابات عسكرية لا علاقة لهم بها.

إن أخطر ما في هذه الهجمات ليس فقط ما قد تسببه من خسائر مباشرة، بل ما تمثله من محاولة لجر دول الخليج إلى أتون صراع لا يخدم أحدا، فكل صاروخ يعبر الأجواء الخليجية، وكل طائرة مسيرة تهدد المدن والمنشآت، يقرب المنطقة خطوة إضافية من دائرة الخطر التي يسعى الجميع إلى تجنبها.

واليوم أكثر من أي وقت مضى، تحتاج المنطقة إلى أن تدرك أن استقرار الخليج ليس شأنا خليجيا فحسب، بل مصلحة دولية وإقليمية كبرى، فهذه المنطقة ليست مجرد حقول نفط وممرات بحرية، بل أوطان يعيش فيها ملايين البشر الذين يتطلعون إلى مستقبل آمن ومستقر بعيدا عن لغة الصواريخ والتهديدات.

ستبقى الكويت كما كانت دائما دولة سلام لا دولة حرب، دولة حوار لا دولة صدام، دولة بناء لا دولة هدم، لكن تمسكها بالسلام لا يمنح أحدا الحق في استباحة أمنها أو تهديد سيادتها، فالكويت أمس واليوم وغدا ستظل واحة استقرار في منطقة مضطربة، وستظل متمسكة برسالتها الإنسانية والدبلوماسية، وفي الوقت نفسه قادرة على حماية أرضها والدفاع عن شعبها بكل حزم واقتدار.

إن من يعتدي على الكويت لا يعتدي على دولة تبحث عن نفوذ أو صراع، بل يعتدي على واحدة من آخر المساحات العربية التي ما زالت تؤمن بأن الحوار أقوى من المدافع، وأن السلام أكثر بقاء من الحروب.

د. يوسف العميري

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.