انتخابات التجديد النصفي: معركة على مستقبل السياسة الخارجية الأميركية/ 3
المحامي أسامة العرب
ولا يعني ذلك أن سيطرة الديمقراطيين على أحد المجلسين ستؤدي تلقائياً إلى وقف الحرب؛ فالرئيس يحتفظ بصلاحيات مهمة في إدارة العمليات العسكرية، كما أن أي قرار تشريعي يواجه احتمال استخدام حق النقض الرئاسي. لكن امتلاك الأغلبية في الكونغرس يغيّر طبيعة الرقابة، ويجعل استمرار الحرب أكثر ارتباطاً بالنقاش العام والمساءلة المؤسسية.
2\. أوكرانيا والعلاقة مع روسيا
يشكّل الملف الأوكراني بدوره مجالاً محتملاً للخلاف بين الإدارة والكونغرس. فقد اتسمت سياسة ترامب تجاه الحرب الروسية الأوكرانية بمواقف متباينة عن النهج الذي تبنته الإدارات السابقة، ولا سيما في ما يتعلق بحجم المساعدات الأميركية المباشرة لكييف والعقوبات المفروضة على موسكو.
وقد يسعى الديمقراطيون، بالتعاون مع بعض الجمهوريين المؤيدين لاستمرار الدعم الأميركي لأوكرانيا، إلى الدفع نحو تشريعات جديدة للمساعدات أو فرض قيود على بعض القرارات التنفيذية المتعلقة بالعقوبات والطاقة الروسية. غير أن قدرة الكونغرس على تحويل هذا التوجه إلى سياسة نافذة ستظل مرتبطة بطبيعة الأغلبية، وبمدى توافر توافق عابر للحزبين، وبموقف الرئيس من التشريعات المقترحة.
3\. المساعدات العسكرية لإسرائيل.
يُعدّ الدعم الأميركي لإسرائيل من الملفات التي تشهد تحولات ملحوظة داخل الحزب الديمقراطي، خصوصاً في ظل الحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية، واستمرار التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولم يعد الموقف من المساعدات العسكرية لإسرائيل يحظى بالدرجة ذاتها من الإجماع التي كان يتمتع بها تقليدياً داخل الحزبين، إذ تتزايد الأصوات الديمقراطية المطالبة بربط هذه المساعدات بشروط تتعلق باستخدام الأسلحة واحترام القانون الدولي الإنساني. وفي حال امتلك الديمقراطيون نفوذاً أكبر داخل الكونغرس، فقد يتجهون إلى الدفع نحو مراجعة بعض أوجه المساعدات العسكرية، أو فرض قيود على أنواع محددة من الأسلحة، أو تكثيف الرقابة على كيفية استخدامها. لكن وقف المساعدات بصورة شاملة ليس نتيجة تلقائية لتغير الأغلبية، بل يتطلب مساراً تشريعياً وسياسياً معقداً، وقد يواجه معارضة من الجمهوريين ومن بعض الديمقراطيين أنفسهم.
4\. الموازنة الدفاعية والمساعدات الخارجية
يمتد الخلاف كذلك إلى حجم الإنفاق العسكري الأميركي، وإلى الأولويات التي ينبغي أن تحكم توزيع الموارد الفدرالية. فالديمقراطيون ينتقدون، في جانب من خطابهم، التوسّع في الإنفاق الدفاعي بالتزامن مع تقليص بعض البرامج الاجتماعية والمساعدات الخارجية، ويرون أن القوة الأميركية لا تُقاس بالقدرات العسكرية وحدها، بل تشمل أيضاً أدوات التنمية والدبلوماسية والمساعدات الإنسانية. وفي المقابل، يؤكد الجمهوريون أن تعزيز القدرات الدفاعية يشكّل ضرورة استراتيجية في ظل التحديات الدولية، وأن الحفاظ على التفوّق العسكري الأميركي يقتضي تخصيص الموارد اللازمة له. ومن شأن اختلاف الأغلبية داخل الكونغرس أن يجعل إقرار الموازنة الدفاعية والبرامج الخارجية ساحة تفاوض ومساومة بين الحزبين، لا مجرد إجراء مالي روتيني.
وتجدر الإشارة إلى أن الكونغرس لا يملك فقط سلطة إقرار الأموال، بل يؤدي دوراً أساسياً في تحديد أوجه إنفاقها ومراقبة تنفيذها. ولذلك، فإن السيطرة على اللّجان المختصة بالموازنة والشؤون الخارجية والقوات المسلحة قد تكون ذات أثر عملي لا يقل أهمية عن امتلاك الأغلبية العددية في المجلسين.
سابعاً: انتخابات تتجاوز الحسابات الحزبية إلى مستقبل النظام السياسي
لا تنفصل هذه الانتخابات عن النقاش الأوسع حول طبيعة النظام السياسي الأميركي، وحدود السلطة الرئاسية، ومستقبل المؤسسات الدستورية في ظل الاستقطاب الحزبي المتزايد. فقد أصبح الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين يتجاوز الاختلاف التقليدي حول الضرائب والإنفاق الاجتماعي والسياسة الخارجية، ليشمل مسائل تتصل بدور الكونغرس، واستقلال المؤسسات، وحدود صلاحيات الرئيس، ومدى قدرة آليات الرقابة الدستورية على منع تركّز السلطة التنفيذية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل اتساع المخاوف لدى قطاعات من الأميركيين بشأن مستقبل الديمقراطية وطريقة إدارة المؤسسات العامة. فقد أظهر استطلاع مركز بيو للأبحاث، المنشور في 8 تشرين الأول 2026، أن 73 في المئة من الناخبين المسجلين يعتبرون مستقبل الديمقراطية قضية مهمة جداً عند تحديد تصويتهم، فيما بلغت النسبة 85 في المئة لدى مؤيدي المرشحين الديمقراطيين، مقابل 69 في المئة لدى مؤيدي المرشحين الجمهوريين.
ومن هنا، لا يمكن قراءة الانتخابات باعتبارها مواجهة انتخابية بين حزبين فحسب، بل بوصفها اختباراً لقدرة النظام الدستوري الأميركي على المحافظة على التوازن بين المؤسسات، في وقت تتزايد فيه النزعة إلى توسيع الدور الرئاسي في إدارة الملفات الداخلية والخارجية.
وثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أن انتخابات التجديد النصفي قد تؤثر في المرحلة الأخيرة من ولاية ترامب، وفي طبيعة الاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028. فنتائجها ستؤثر في موقع الرئيس داخل حزبه، وفي قدرة الجمهوريين على الحفاظ على وحدة صفوفهم، كما ستحدّد إلى حد بعيد ما إذا كان الديمقراطيون سيتمكنون من استعادة دورهم بوصفهم قوّة رقابية وتشريعية فاعلة، بعد غيابهم عن موقع الأغلبية في الكونغرس.
ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في اعتبار السيطرة على الكونغرس مرادفاً للسيطرة على القرار السياسي الأميركي. فالنظام الفدرالي وتوزيع السلطات، فضلاً عن حق الرئيس في استخدام الفيتو، والاشتراطات الدستورية المتعلقة بتجاوز هذا الفيتو، تجعل الحكم في الولايات المتحدة عملية تفاوض مؤسسي مستمرة، لا تفويضاً مطلقاً تمنحه الأغلبية لأي طرف.
ثامناً: من يملك القرار في واشنطن؟
تكتسب انتخابات التجديد النصفي الأميركية أهميتها من كونها تقع عند تقاطع ثلاثة مستويات مترابطة: مستوى المحاسبة الشعبية لأداء الإدارة، ومستوى إعادة توزيع السلطة بين المؤسسات الدستورية، ومستوى تحديد الاتجاه الذي ستسلكه الولايات المتحدة في علاقاتها الدولية. فالاقتصاد وتكاليف المعيشة والرعاية الصحية والهجرة تمثل العناوين التي ستؤثر في خيارات الناخبين اليومية، فيما تشكل الحرب على إيران والسياسة تجاه روسيا وأوكرانيا والمساعدات العسكرية لإسرائيل ملفات تتجاوز حدود التنافس الحزبي، لتطال موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وطبيعة التزاماتها العسكرية والاستراتيجية.
وإذا أفضت النتائج إلى انتقال الأغلبية في أحد مجلسَي الكونغرس أو كليهما إلى الديمقراطيين، فلن يعني ذلك انتهاء ولاية ترامب السياسية أو تعطيل صلاحياته الدستورية، لكنه سيضع إدارته أمام واقع مؤسسي مختلف، تكون فيه الرقابة أكثر حضوراً، والمفاوضات التشريعية أكثر تعقيداً، والقرارات الكبرى أكثر عرضة للمساءلة والمراجعة. أما احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية، فسيوفر للرئيس هامشاً أوسع لمواصلة تنفيذ برنامجه، من دون أن يعفيه ذلك من مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي أفرزتها السنوات الأخيرة.
ولعلّ الدلالة الأعمق لهذه الانتخابات تكمن في أنها ستعيد طرح سؤال يتجاوز هوية الحزب الذي يفوز بالمقاعد: هل تستطيع المؤسسات الأميركية المحافظة على التوازن الذي أراده الدستور بين سلطات الحكم، في ظل تصاعد الاستقطاب وتحوّل الخلاف السياسي إلى صراع على حدود السلطة نفسها؟ ففي نهاية المطاف، لا تُقاس أهمية انتخابات التجديد النصفي بعدد المقاعد التي ينتزعها هذا الحزب أو ذاك، بل بما تكشفه عن قدرة الديمقراطية الأميركية على تصحيح مسار السلطة من داخل مؤسساتها، وإخضاع القرارات الكبرى للمحاسبة، ومنع تحوّل الفوز الرئاسي إلى تفويض غير محدود. ومن هذه الزاوية، فإن انتخابات الثالث من تشرين الثاني ليست مجرد استراحة انتخابية بين رئاستين، بل محطة مفصلية في تحديد شكل الحكم الأميركي، وحدود نفوذ رئيسه، واتجاه سياسته الداخلية والخارجية حتى نهاية ولايته.
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.