لبنان مرة أخرى في حربٍ ليست حربه

330

بقلم دافيد عيسى
في كلّ مرةٍ تندلع فيها الحرب في هذا الوطن المسكين، نعود إلى السؤال نفسه: هل هذه حقًا حربنا؟ ولماذا نجد أنفسنا، مرةً أخرى، في قلب صراعٍ لا ناقة لنا فيه ولا جمل؟
المشهد مؤلم للغاية… عائلات تُهجَّر من منازلها في الجنوب والضاحية والبقاع، تحمل ما استطاعت من متاعٍ وذكريات، وتواجه القصف والخوف والقلق على الغد.
قرى بأكملها تُفرَّغ من سكانها، وبيوتٌ تُقفل أبوابها على حكايات أهلها الذين لا يعرفون متى سيعودون إليها، ولا ماذا سيجدون عند عودتهم.
آلاف الأطفال والنساء والمسنّين وجدوا أنفسهم في العراء، يبحثون عن سقفٍ يؤويهم ومكانٍ دافئ يحميهم من قسوة الليالي الباردة.
فأيّ مسؤولٍ عاقلٍ وحكيمٍ يمكن أن يزجّ بلده في حربٍ من دون أن يحسب مسبقًا كيف سيؤمّن الحماية والمأوى لشعبه وبيئته؟
وكيف يمكن لحزبٍ واحد أن يمتلك قرار السلم والحرب، ويضع بلدًا بأكمله أمام واقعٍ خطير؟
السؤال الذي طرحه أغلب اللبنانيين عندما دخل لبنان ما سُمّي بـ«حرب الإسناد» الأولى، وقيل إن هدفها مساندة الفلسطينيين، ما زال مطروحًا حتى اليوم:
هل أطلقت إيران صاروخًا واحدًا لمساندة لبنان؟ أم وجد الحزب نفسه وحيدًا في هذه المواجهة؟
والمحيّر أن جواب حزب الله عندما يُسأل: لماذا أدخلتم البلاد في الحرب؟ يبقى نفسه دائمًا:
لو لم نبادر نحن، لكانت إسرائيل قد هاجمتنا.
فهل يمكن بناء قرارٍ مصيري على فرضيات أو تقديرات غير مؤكدة؟ وهل هذا التبرير مقنعآ؟
فمصير وطنٍ وشعب لا يجوز أن يُربط “بالضرب بالرمل” او باحتمالات قد تصيب وقد تخطئ.
وبعد انتهاء حرب الإسناد الأولى، ألم يكن حزب الله نفسه يطالب الحكومة اللبنانية بتأمين الأموال لإعادة إعمار ما تهدّم في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية من اجل عودة المهجرين؟ وكانت الحكومة تحاول الحصول على مساعدات من الدول الصديقة لإعادة الإعمار.
أما اليوم، ومع هذا الدمار الكبير، فماذا سنفعل؟ وكيف سنعيد إعمار المدن والقرى المهدّمة؟
هل فكّر من اتخذ قرار الحرب في مصالح الناس ومستقبلهم؟
ألم يتعلّم حزب الله من تجربة حرب الإسناد الأولى؟
ألم يشاهد حجم الدماء والدمار والمآسي التي عاشها الناس؟
ألم يرَ أن كثيرًا من العائلات المتضررة لم تتمكن حتى اليوم من إعادة بناء منازلها والعودة إلى حياتها الطبيعية؟
الحروب ليست محطاتٍ عابرة، بل جروح عميقة في حياة الشعوب.
ومن اتخذ قرار المواجهة يجب أن يسأل نفسه:
هل يستطيع لبنان وشعبه تحمّل الكلفة نفسها مرةً أخرى؟
وهل يمكن للناس الذين لم يشفوا بعد من آثار الحرب السابقة أن يتحمّلوا مآسي جديدة؟
لقد تعب اللبنانيون من الحروب المفروضة عليهم، ومن تحوّل وطنهم في كل مرة إلى ساحة صراع للآخرين، حيث يدفعون أثمانًا باهظة من بيوتهم وأرزاقهم واستقرارهم.
ويبقى الحل بعودة قرار السلم والحرب إلى الدولة اللبنانية وحدها، وفق رؤية وطنية واضحة تحمي لبنان وسيادته وتجنّبه الانزلاق في صراعات الآخرين.

فالدولة وحدها، عبر مؤسساتها الدستورية وجيشها الشرعي، هي المخوّلة اتخاذ القرارات المصيرية التي تتعلق بحياة اللبنانيين ومستقبل وطنهم.
لبنان ليس مجرد ساحة، وليس ورقة في لعبة الأمم.
إنه وطنٌ لشعبٍ يريد أن يعيش بكرامة وأمان، ويريد دولة تحميه وقرارًا وطنيًا يعبر عن إرادته.

ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم لم يعد مجرد سؤالٍ سياسي، بل أصبح صرخة وطنية:
من يملك حق إدخال لبنان في الحرب؟
ومن يملك حق أن يقرر، نيابةً عن شعبٍ بأكمله، مصيره ومستقبل أبنائه؟
الحقيقة الواضحة أن لبنان، بكل ما فيه من آلامٍ ودمارٍ وتهجير، يجد نفسه مرةً أخرى في حربٍ ليست حربه.
دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.