الانتخابات النّصفيّة تتحكّم بالعالم!
بقلم موفق حرب
«أساس ميديا»
من الآن حتّى الانتخابات النصفيّة، لا تُدار الرئاسة الأميركيّة بمنطق ولاية الرئيس في الفترة الثانية، بل بمنطق الأشهر القليلة التي تسبق الانتخابات النصفيّة. كلّ قرار، في الداخل والخارج، يمرّ عبر “فلتر” واحد: هل يُترجم مكسباً سياسيّاً سريعاً أم يحمل كلفة انتخابيّة؟
لا يصبح الزمن في هذه المرحلة عامل ضغط وحسب، بل وأداة حكم. ينعكس هذا التحوّل أوّلاً في السياسة الخارجيّة، حيث تتحوّل الملفّات الدوليّة إلى ساحات إنتاج “إنجازات قابلة للبيع” للرأي العامّ.
يبقى في قلب المشهد الملفّ الإيرانيّ. لا يبحث الرئيس ترامب عن إدارة أزمة تقليديّة، بل عن لحظة حاسمة قد تأخذ شكل ضربة عسكريّة محدودة تُقدَّم كاستعادة للردع، أو اندفاعة تفاوضيّة مفاجئة تُسوَّق كاختراق تاريخيّ. في الحالتين، الهدف واحد: صورة واضحة قبل الانتخابات. لا حرب مفتوحة تستنزف، ولا دبلوماسيّة بطيئة لا تُرى نتائجها. إنّه مزيج من التصعيد المحسوب والانفتاح التكتيكيّ، سلوك متقلّب ظاهريّاً، لكنّه منضبط بإيقاع انتخابيّ دقيق.
لا يقتصر هذا المنطق على إيران. دوليّاً ستتّجه واشنطن إلى تحرّكات انتقائيّة، مركّزة، وقصيرة الأمد: تموضع عسكريّ مدروس، ضغط سياسيّ محسوب، وربّما اختراقات دبلوماسيّة محدودة إذا كانت قابلة للتسويق. ليس الهدف إعادة رسم النظام الدوليّ، بل إعادة تشكيل صورة القيادة الأميركيّة في الداخل.
في المقابل، ستتراجع أو تتجمّد ملفّات أخرى. الحروب الطويلة، عمليّات إعادة بناء الدول، والالتزامات الأمنيّة المفتوحة لن تكون أولويّة. حتّى التحالفات التقليديّة ستُدار بمنطق تقليص الكلفة: دعم مشروط، ضغط على الحلفاء لتحمّل أعباء أكبر، وتجنّب أيّ انخراط قد يتحوّل إلى عبء انتخابيّ. إدارة الأزمات ستتقدّم على حلّها.
أمّا المسارات الدبلوماسيّة المعقّدة، اتّفاقيّات متعدّدة الأطراف، تفاهمات بعيدة المدى، وملفّات تحتاج إلى سنوات من التفاوض، فستُرحَّل عمليّاً إلى ما بعد الانتخابات. لا وقت للاستثمار السياسيّ الطويل الأجل عندما يكون العائد غير مضمون.
الأولويّات الدّاخليّة
يتكرّس المنطق نفسه على الضفّة الداخليّة. ستكون الأولويّة للملفّات القابلة للقياس السريع: الاقتصاد اليوميّ، كلفة المعيشة، وسوق العمل. في ظلّ ضغوط الحرب وتداعياتها، ومع القيود التي فرضتها قرارات المحكمة العليا U.S. Supreme Court على أدوات مثل الرسوم الجمركيّة، سيبحث البيت الأبيض عن خطوات مباشرة يمكن عرضها كتحسّن ملموس، حتّى لو كانت جزئيّة أو مؤقّتة.
ستبقى الهجرة في صدارة المشهد، ليست كسياسة فقط، بل كأداة تعبئة. تشديد الإجراءات، رفع وتيرة التنفيذ، وإبراز الأرقام، كلّها عناصر تُستخدم لإنتاج صورة حزم واضحة في ملفّ حسّاس انتخابيّاً ومرضٍ للقاعدة الجمهوريّة.
في المقابل، ستتراجع الإصلاحات الهيكليّة الكبرى. أيّ تشريع يحتاج إلى توافق واسع أو يحمل مخاطرة سياسيّة، سيصبح أقلّ جاذبيّة مع اقتراب الاستحقاق. مع احتمال خسارة أحد مجلسَيْ الكونغرس، تتحوّل المعركة التشريعيّة إلى معركة نسب الفضل أو تحميل المسؤوليّة أكثر منها إنتاج سياسات طويلة الأمد.
إعادة رسم الدّوائر الانتخابيّة
لكنّ العامل الأكثر حساسيّة في الداخل لا يتعلّق بالسياسات فقط، بل بقواعد اللعبة نفسها. في نظام انتخابيّ شديد الاستقطاب، “خسارة الصورة” لا تقلّ خطورة عن خسارة الصناديق. هنا يدخل ملفّ إعادة رسم الدوائر الانتخابيّة، المعروف سياسيّاً بـ”gerrymandering”، كأحد أكثر العناصر إثارة للجدل. يسعى كلا الحزبين إلى رسم خرائط انتخابيّة تعزّز فرصه، وهو ما يفتح الباب أمام اتّهامات مسبقة بعدم تكافؤ الفرص.
لا يُنتظر في هذا المناخ أن تكون النتائج نهاية النقاش بل بدايته. الفائز سيعتبرها تفويضاً شعبيّاً واضحاً، فيما الخاسر قد لا يطعن بشرعيّة المسار نفسه عبر الخطاب السياسيّ فقط، بل عبر معارك قانونيّة وإعلاميّة تطال مفهوم “عدالة التمثيل” أو حتّى نزاهة العمليّة الانتخابيّة برمّتها. هنا تتحوّل الانتخابات من آليّة حسم إلى ساحة نزاع ممتّد، وهو ما ينعكس مباشرة على سلوك السلطة قبل النتائج وبعدها.
يفسّر هذا الاحتمال أيضاً جزءاً من سلوك ترامب في هذه المرحلة: رفع سقف الخطاب عن “نزاهة الانتخابات”، الاستعداد المسبق للطعن في النتائج إذا جاءت معاكسة، وتكريس معركة الرواية بالتوازي مع معركة الأصوات.
أحداث عالميّة مساعدة
لا يمكن فصل الحسابات السياسيّة عن حدث عالميّ ضخم يلوح في الأفق: 2026 FIFA World Cup. البطولة التي ستستضيفها الولايات المتّحدة بالشراكة مع كندا والمكسيك في تمّوز المقبل ليست مناسبة رياضيّة وحسب، بل منصّة سياسيّة وإعلاميّة استثنائيّة. بالنسبة إلى ترامب، تشكّل هذه اللحظة فرصة لإعادة تقديم صورة أميركا كقوّة منظّمة، جاذبة، ومتماسكة، وخصوصاً بعد سنوات من الانقسام والتوتّر.
فوق كلّ ذلك، يلوح حدث رمزيّ ضخم: الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتّحدة،United States Semi quincentennial. هذه ليست مناسبة احتفاليّة وحسب، بل فرصة لإعادة صياغة الرواية الوطنيّة: أميركا القويّة، المتجدّدة، والقادرة على فرض شروطها. في موسم انتخابيّ، تتحوّل الرمزيّة إلى أداة تعبئة، وتندمج السياسة الخارجيّة مع خطاب الهويّة.
ليس السؤال هنا: هل يُبطئ ترامب الإيقاع؟ بل: إلى أيّ حدّ سيُسرّعه؟ تدلّ كلّ المؤشّرات على مرحلة تسريع لا تهدئة. قرارات أكثر جرأة، خطوات أكثر وضوحاً، وانتقال مستمرّ بين التصعيد والانفتاح وفق ما يخدم اللحظة السياسيّة. هذا النهج قد يحقّق مكاسب سريعة، لكنّه يحمل مخاطر موازية: تقلّب في السياسات، تراجع في الاستمراريّة، وحذر متزايد من الحلفاء يقابله اختبار دائم من الخصوم.
في الأشهر التي تسبق الانتخابات، لن يسعى ترامب إلى حلّ كلّ الملفّات، بل إلى اختيار المعارك التي يمكن أن يربحها بسرعة، أو على الأقلّ أن يظهر فيها كرابح.
هنا يكمن جوهر المرحلة المقبلة: لا سياسة خارجيّة تقليديّة، ولا إدارة داخليّة هادئة، بل رئاسة تُدار بالكامل كحملة انتخابيّة.
موفق حرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.