نبيه برّي: جدليّة السلطة والوقت في بنية النظام اللبناني

9

مصباح العلي
في لبنان، لا يُقاس السياسي بعمره الزمني، بل بقدرته على البقاء داخل الزمن السياسي نفسه. ومن هذه الزاوية، يبدو نبيه بري حالةً تتجاوز السيرة الشخصية إلى ما يشبه الظاهرة البنيوية داخل النظام. هو ليس مجرد رئيس مجلس نواب طال بقاؤه، بل تعبير حيّ عن كيفية تكيّف الكيانات السياسية اللبنانية مع التحوّلات الكبرى، دون أن تفقد جوهرها القائم على التوازنات الدقيقة والهشّة في آن.
منذ لحظة صعوده في زمن الحرب الأهلية اللبنانية، لم يتعامل بري مع السياسة كفعلٍ آنيّ، بل كمسارٍ تراكمي، حيث تُبنى القوة من إدارة التناقضات لا من حسمها. في هذا المعنى، يقترب من المدرسة الواقعية في الفكر السياسي، حيث لا وجود لانتصارات نهائية، بل لإعادة إنتاج مستمرة لمعادلات القوة. لم يسعَ يومًا إلى كسر خصومه بقدر ما عمل على احتوائهم ضمن شبكة علاقات معقّدة، تجعل منه نقطة تقاطع لا يمكن تجاوزها.
هذا النمط في إدارة السلطة يُحيلنا، فلسفيًا، إلى فكرة “الوسيط الضروري” في الأنظمة المركّبة: ذلك الفاعل الذي لا يملك القدرة على الحسم الكامل، لكنه يمتلك القدرة على تعطيل أي حسم لا يمرّ عبره. وهنا تكمن قوة بري الحقيقية. فهو لم يكن زعيمًا ثوريًا يسعى إلى تغيير النظام، ولا إداريًا تقنيًا يعمل ضمن قواعده فحسب، بل كان – ولا يزال – الحارس غير المعلن لمنطقه الداخلي.
لقد فهم بري مبكرًا أن النظام اللبناني ليس دولة بالمعنى الكلاسيكي، بل توازن قوى دائم بين جماعات. ومن هنا، كان سلوكه السياسي أقرب إلى إدارة “الهشاشة” بدل محاولة إنهائها. وهذه المقاربة، رغم ما تحمله من تناقضات، هي التي سمحت له بالبقاء فاعلًا عبر مراحل متباينة: من زمن اتفاق 17 أيار إلى مرحلة اتفاق الطائف، وصولًا إلى زمن الصراعات الإقليمية المفتوحة اليوم.
غير أن أهمية بري لا تختصر في قدرته على البقاء، بل في قدرته على إعادة تعريف موقعه داخل كل مرحلة. فهو انتقل من قائد ميليشيوي إلى رجل دولة، ومن لاعب داخلي إلى وسيط إقليمي، دون أن يفقد صلته بالبيئة التي أنتجته. هذه القدرة على التحوّل دون الانقطاع عن الجذور هي ما يمنحه صفة “الاستمرارية النادرة” في نظام يتآكل فيه القادة بسرعة.
لكن هذه الاستمرارية نفسها تطرح سؤالًا فلسفيًا أعمق: هل يمثّل بري استثناءً داخل النظام، أم أنه التعبير الأكثر اكتمالًا عنه؟ بمعنى آخر، هل هو نتيجة خلل في بنية النظام، أم أنه الدليل على تماسكه الداخلي رغم كل الأزمات؟
الجواب، على الأرجح، يقع في منطقة وسطى. فبري هو ابن هذا النظام بقدر ما هو أحد أعمدته. لقد ساهم في تثبيت قواعد اللعبة، لكنه في الوقت نفسه أتقن استثمار ثغراتها. ومن هنا، يمكن القول إن تأثيره في التاريخ السياسي اللبناني لا يكمن فقط في مواقفه، بل في الطريقة التي أعاد من خلالها إنتاج مفهوم “السلطة” نفسه: سلطة لا تُمارَس من موقع الغلبة، بل من موقع القدرة على منع الغلبة.
في اللحظة الراهنة، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع الانقسامات الداخلية، يعود بري ليؤدي الدور ذاته، لكن في سياق أكثر تعقيدًا. فهو يدرك أن أي تحوّل جذري في النظام قد يطيح بالتوازنات التي سمحت ببقائه، لكنه يدرك أيضًا أن الجمود الكامل لم يعد ممكنًا. لذلك، يتحرّك في مساحة ضيّقة بين الحفاظ على النظام وإعادة تكييفه.
هنا، تبرز المفارقة: الرجل الذي طالما مثّل “استقرار النظام” قد يجد نفسه مضطرًا للمساهمة في تغييره، ولو بشكل تدريجي. ليس بدافع الإصلاح النظري، بل بدافع الضرورة التاريخية. فالنظام اللبناني، كما تَشَكَّل بعد اتفاق الطائف، يواجه اليوم حدود قدرته على الاستمرار، في ظل تحولات إقليمية عميقة وتآكل داخلي مستمر.
في هذا السياق، يمكن قراءة سلوك بري كنوع من “البراغماتية الفلسفية”: هو لا يؤمن بالقطائع الحادة، بل بالتبدلات البطيئة التي تحافظ على الشكل العام للنظام، بينما تغيّر مضمونه تدريجيًا. هذه المقاربة قد تؤخّر الانفجار، لكنها لا تلغيه. وهنا يكمن التحدي الأكبر: هل يستطيع بري، بما يمثّله من خبرة وتاريخ، أن يقود انتقالًا هادئًا نحو صيغة جديدة، أم أن دوره سيبقى محصورًا في إدارة مرحلة الاحتضار الطويل؟
في النهاية، لا يمكن اختزال نبيه بري في موقع أو منصب. هو تعبير عن مرحلة، وعن طريقة في فهم السياسة في لبنان: سياسة تقوم على التوازن لا الحسم، وعلى إدارة الوقت لا كسره، وعلى قراءة التاريخ كأداة في الحاضر لا كعبء عليه.
وفي بلدٍ يشبه “تسوية دائمة”، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لنظامٍ بُني على رجالٍ من طراز بري أن ينتج مستقبلًا مختلفًا، أم أن هؤلاء الرجال هم، في نهاية المطاف، حدوده القصوى؟
مصباح العلي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.