إسرائيل الكبرى على أنقاض الدّولة الفلسطينيّة

2

بقلم محمد السماك

«أساس ميديا»

عندما تحوّلت إسرائيل بقرار من الكنيست (مجلس النوّاب) من دولة علمانيّة صهيونيّة إلى دولة دينيّة يهوديّة، طُوي بالنسبة لها أيّ حديث جدّيّ عن دولة فلسطينيّة. يجد هذا الواقع الجديد ترجمته في عمليّات التصفية العرقيّة للوجود الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة وغزّة معاً.

في الضفّة تتولّى عمليّة التهجير القسريّ للفلسطينيّين من مدنهم وقراهم ومخيّماتهم جماعات المستوطنين اليهود الذين يُستقدمون من شرق أوروبا وغربها، ومن الولايات المتّحدة الأميركيّة تحت شعار “إعادة بناء إسرائيل التوراتيّة”. وبموجب ذلك تعدّ الحكومة الإسرائيليّة مشروعين للتخلّص من الفلسطينيّين أهل البلاد الأصليّين.

أمّا في غزة فتعمل إسرائيل على تحويل حياة بقايا شعب غزّة إلى جحيم. فهي لا تسمح حتّى اليوم بدخول المساعدات الغذائيّة والطبّيّة إليه إلّا “بالقطّارة”. وهدفها من ذلك تحويل الحياة في غزّة إلى جحيم… ثمّ دفع أهالي غزّة إلى الهجرة.

تهجير أهالي غزّة هو ما تطلق عليه إسرائيل “الهجرة الطوعيّة”، أي أن يتّجه أهل غزّة إلى الهجرة هرباً من الموت البطيء تحت ضغط الحرمان والقصف المستمرّ. وتخطّط إسرائيل لتهجيرهم إلى صحراء سيناء. وهو أمر ترفضه مصر من حيث الشكل والأساس. إلّا أنّ نجاح عمليّة التهجير القسريّ التي وقعت في عام 1948 شكّل حافزاً للمضيّ قدماً في هذا المشروع.

كان اتّفاق أوسلو بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل يقول العكس، ولذلك جرى اغتيال إسحق رابين رئيس الحكومة الإسرائيليّة في تشرين الثاني من عام 1995 على يد أحد أفراد الحركة اليهوديّة الدينيّة (إيغال عمير) التي تشكّل اليوم العمود الفقريّ لحكومة بنيامين نتنياهو. سقط اتّفاق أوسلو بسقوط رابين. وبعد اغتيال الرئيس الفلسطينيّ  ياسر عرفات أعادت إسرائيل القضيّة الفلسطينيّة إلى نقطة الصفر مرّة أخرى. التهجير القسريّ. وهو ما يحدث اليوم في غزّة وفي الضفّة الغربيّة على نطاق واسع.بموجب المخطّط الإسرائيليّ فإنّ أهل الضفّة يجب أن يُهجّروا إلى الأردن. وبذلك يسقط شعار الدولة الفلسطينيّة وتُطوى صفحتها وتعلن إسرائيل اكتمال مشروعها من النهر إلى البحر، أي من نهر الأردن إلى البحر المتوسّط، لتبدأ العمل على مشروع الدولة الدينيّة التوراتيّة من النيل إلى الفرات.

تديين الجيش ومشروع إسرائيل الكبرى

لأوّل مرّة في تاريخ إسرائيل وفي تاريخ جيشها، ارتفع عدد الضبّاط المنتسبين إلى الحركة الدينيّة من 15 إلى 34 في المئة. وهذا يعني أنّ التحوّل لا يقتصر على الحكومة والبرلمان والأحزاب فقط، ولكنّه يشمل الجيش الذي يُعتبر الرصيد الأهمّ للصهيونيّة اليهوديّة وصاحب كلمة الفصل في الصراعات التنافسيّة بين الأحزاب.

سبق لمحكمة العدل الدوليّة أن أدانت إسرائيل بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة في الضفّة الغربيّة وغزّة، وأصدرت قرارات باعتقال نتنياهو رئيس الحكومة ويسرائيل كاتس وزير الدفاع. وتشمل هذه الإدانة الحكومة والجيش الإسرائيليَّين معاً.

من هنا فإنّ إسرائيل الغارقة حتّى أذنيها بالإدانة الدوليّة لا تبدي اهتماماً لمزيد من الاتّهامات على خلفيّة مشروعَي التهجير الجماعيّ من غزّة والضفّة الغربيّة. فالغريق لا يخشى من البلل. يكفي أن تفتح إسرائيل ملفّ الهولوكوست لتُسكت أصوات الإدانة الموجّهة إليها، من إسبانيا حتّى الصين.

من هنا تبدو الأصوات الدوليّة التي تردّد شعارات الحقّ الفلسطينيّ بالدولة أصواتاً خافتة ومتراجعة تحت ضغط الابتزاز الصهيونيّ الفعّال. فالعالم شاهَدَ بألم وغضب معاً مظاهر الجنازات الجماعيّة لضحايا الحرب الإسرائيليّة على غزّة الذين انتُشلت جثامينهم من تحت الأنقاض. وهي مشاهد تدعو إلى الفرح والسعادة في الكنيست وفي الحكومة الإسرائيليّة… والمهمّ هو ترجمة هذه المشاهد المؤلمة إلى حوافز للهجرة الفلسطينيّة من غزّة إلى سيناء بمصر. ومن الضفّة الغربيّة إلى الأردن. لتُطوى بعد ذلك صفحة مشروع الدولة الوطنيّة الفلسطينيّة، ويُفتح ملفّ إسرائيل الكبرى.

محمد السماك

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.