مَن يَحكم روما من تَحت؟!
بقلم فوزي عساكر
رئيس تحرير مجلة «العالمية»
في كل رحلاتي الدولية، كنتُ ألتقي شعوبًا من جَميع الجنسيات، فيستضيفونني في مناسباتِهم الاجتماعية، ونتبادل الأحاديث على المستويات كافّة، ونُمضي أجمل الأوقات، ونكتسب أصدقاء جددًا حول العالم.
ولكن الملفت، انّ كلَّ أحاديث مَن نلتقيهم من شعوب العالم، تَختلف تَمامًا عن أحاديثنا في هذا الوطن المريض. فلم أسـمع أحدًا منهم يتحدّث عن انقطاع الكهرباء ووفاة مريض يتنفّس على آلة التنفّس الاصطناعي، أو آخَر يتحدّث عن انقطاع المياه والمحروقات والغذاء والدواء… ولا عن المطالبة بزيادة على المعاشات لتتساوى على الأقلّ مع المصاريف… كلّ هذه الأحاديث غير موجودة في قاموسهم، فقط، لأنّهم يعيشون في دولة تَحترم الإنسان!
وأمّا هنا في هذا الوطن المريض، فنشاهد مسرحية نواب الأمّة على مسرح المجلس النيابي، وهم يتناوبون على أدوار المبارزة والاتّهامات للدولة والحكومة؛ وبعد انتهاء المسرحية، يُجدّدون منحَ الثقة للحكومة التي انتقدوها ومرّغوا أنفها في التراب، تَمامًا كالأفلام العربية التي تتسارع وتتصارع فيها الأحداث، ولكن من دون أن يَموت البطلّ!
والملفت أنّ النواب الذين ينتظرون أدوارهم، يتسلّون بتصفُّح المواقع على هواتفهم، وإجراء الرسائل النصيّة، لتمضية الوقت المدفوع من الضرائب المفروضة على الفقراء لتأمين مَن يُمثّل عليهم، فيتقاضون معاشاتِهم على جهودهم كمشاهدين ومُمثّلين على الشعب، بدلَ أن يكونوا مُمثّلين للشعب؛ فيما الشعب بلا معاش، وهو يعمل لتأمين معاشات نواب لا يعملون.
وبالتزامن مع هذه المشهديّة الْمُهينة للشعب، نستذكر مثلاً يتردّد على مسامعنا: «روما من تَحت غير روما من فوق». نعم، قد يَختلف الواقع من قريب عمّا نشاهده من البعيد. ونعم، هؤلاء النواب الذين شاهدوا الوضع في وطننا من فوق، فزادت قابليّتُهم لخوض الحملات الانتخابية من أجل التغيير، قد وصلوا إلى روما من تَحت، وأدركوا أنّ الوضعَ مُختلفٌ تَمامًا. فما الذي جعلهم يُمدّدون لأنفسهم نصفَ ولاية فولاية فعهودًا وعهودًا، وقد التصقَ قفاهُم على مقاعدَ صُنِعَت لِممثلي الشعب، وهم يعرفون أنّهم فشلوا في ولاية كاملة، ولن يستطيعوا أن يغيّروا شيئًا، لأنّ الْمُتاحَ لَهم هو فقط «المزايدة» لإرضاء مشغّليهم. ولكن بالنهاية سيوقّعون حتمًا، وتنتهي المسرحية من دون أن يَموتَ البطل؟!
تُرى، مَن يَحكم روما من تَحت؟!
ألم تسأل أيّها الشعب الْمُهان، مَن يَحكمكَ بالفعل وليس بالظاهر؟!
ألم تتساءل، لِماذا كل الشعارات تسقط بعد كل استحقاق انتخابي، ولا يتغيّر شيء؟ يَجب أن تعلم السبب: لأنّ الحاكم الفعلي هو غير أولئكَ الملائكة المنظورين!
المخيف في هذا الوطن المريض، انّه يرزح تَحت سلطة تاجر الدواء، الذي لا يسمح له بالموت، كي يظلَّ بِحاجةٍ إلى سوق الدواء!
ألم تلاحظوا أنّ مرضَ الكهرباء عمره من أعمارنا، فيما يُستعاضُ عن الكهرباء بالمولّدات الخاصة، التي تَستهلك مازوت «حاكم الظلّ»؟!
ألم تلاحظوا أنّ الإصلاح مَمنوع، لأننا في دولة يَحكمها التجار، فنتحوّل إلى مستهلكين للسّلع التي يطرحونَها في أسواقنا لندفع نَحن الثّمن؟!
صفِّقوا لزعمائكم طالَما أنتم مسرورون بالأداء المثالي للإهانة، ما دمتم لا تدركون مَن يَحكم روما من تَحت!
فوزي عساكر
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.