إسقاط الحكومة في الشارع: مغامرة لا تخدم إلا العدو الإسرائيلي

8

بقلم د. ابراهيم العرب

في لحظات التحوّل الحاسمة في تاريخ الأمم، لا تقاس المواقف السياسية بمقدار الصراخ في الشارع، ولا بقدرة أي طرف على تعطيل المؤسسات أو تهديد الاستقرار؛ بل يقاس ذلك بمدى القدرة على الحفاظ على الكيان الوطني من الانهيار، وضمان الشرعية الدستورية، ومنع الأعداء من استثمار الانقسامات الداخلية. ومن هذا المنطلق، فإن أي دعوة لإسقاط الحكومة في الشارع، في ظلّ الظروف اللبنانية الراهنة، لا يمكن النظر إليها إلا كخيار بالغ الخطورة، يخدم في النهاية العدو الإسرائيلي الذي راهن منذ سنوات على تفكك الدولة اللبنانية، وتآكل مؤسساتها وتفكك شعبها.

من الواضح أن أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم يدرك تماماً أن زمن إسقاط الحكومات من خلال المعادلات السياسية السابقة، كما حدث في 11 كانون الثاني 2011 مع حكومة الرئيس سعد الحريري، قد ولّى إلى غير رجعة. حيث تغيّرت الظروف الداخلية، ولم تعد موازين القوى الدستورية تسمح بتكرار تلك التجربة؛ فلا يوجد اليوم ثلث زائد واحد قادر على فرض إسقاط الحكومة من داخل مجلس الوزراء، ولا أكثرية نيابية تستطيع الإطاحة بالمعادلة القائمة في مجلس النواب؛ وحتى لو قرّر المكوّن الشيعي الاستقالة من الحكومة، فلن يؤدي ذلك بالضرورة إلى شلّ السلطة التنفيذية أو إسقاطها، بفضل إمكانية تعيين بدائل واستمرار عمل المؤسسات وفق مقتضيات الدستور.

لذا، يصبح إسقاط الحكومة بالطرق الدستورية أمراً غير متاحاً، أو على الأقل، غير قابل للتحقيق بالطرق التقليدية المعروفة. ومن هنا، فإن الانتقال من منطق الضغط السياسي داخل المؤسسات إلى منطق التهديد بإسقاط الحكومة في الشارع يشكّل تحوّلاً بالغ الحساسية؛ فالشارع في لبنان ليس مساحة محايدة، بل هو ميدان معقّد محكوم بتوازنات طائفية وسياسية وأمنية دقيقة؛ وأي دعوة لاستخدامه لإسقاط سلطة شرعية قد تفتح الباب لردود فعل معاكسة، وبالتالي يصبح الشارع شوارع متقابلة ومتوتّرة، بعضها يدعم الحكومة ويرد على الهجمات عليها، والبعض الآخر ينادي بإسقاطها.

هذه هي الخطورة الحقيقية، فحين يتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة ميدانية، يواجه لبنان خطر الانزلاق إلى صراع داخلي قد يكون من الصعب ضبط تداعياته؛ ففي بلد هشّ كلبنان، يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، فإن أي اشتعال في الشارع قد يجهز على ما تبقى من ثقة المجتمعين الداخلي والخارجي بالدولة. والأسوأ من ذلك، قد يجد الجيش اللبناني، بوصفه المؤسسة الوطنية الجامعَة، نفسه مضطراً للفصل بين مناطق متواجهة، مما يضعه في موقف حساس ويعرّضه لضغوط سياسية وشعبية لا ينبغي إقحامه فيها؛ فالجيش اللبناني هو الضامن الأخير للسلم الأهلي، وصمام الأمان الوطني، ولبنان بحاجة لأعلى درجات التماسك فيه لمواجهة الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية.

ومن الناحية السياسية والاستراتيجية، لا يمكن اعتبار محاولة إسقاط الحكومة عاملاً مساعداً في المواجهة مع إسرائيل. بل على العكس، إن ضرب الشرعية اللبنانية وإثارة الفوضى الداخلية سيشكلان هدية مجانية للعدو الإسرائيلي الذي يسعى دوماً لتفكيك الداخل اللبناني؛ فإسرائيل، التي راهنت على تصدع لبنان، ستجد في أي اضطراب فيه فرصة لتبرير عدوانها وتعميق ضغوطها، وفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصاً في الجنوب؛ ذلك أن الدولة الضعيفة والمنقسمة لا تستطيع أن تفاوض بقوّة، أو تحمي أرضها بفعالية، أو تعيد النازحين بكرامة أو تطلق ورشة الإعمار بثقة. لذا، كان الأجدر بسماحة الشيخ نعيم قاسم التعهد بالالتزام بالمؤسسات الدستورية بدلاً من تهديدها. فالمؤسسات، رغم ضعفها واهتزازها، تظلّ الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله حماية لبنان من الفراغ والفوضى. ومن خلالها، يمكن تثبيت حضور الدولة، والمضي قدماً نحو تحقيق أهداف سياسية ودبلوماسية وأمنية تسعى إلى لجم الحرب، وتحرير الجنوب المحتل، وإطلاق سراح الأسرى، وضمان عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، والشروع في إعادة الإعمار.

من هنا، يبدو أن رفع شعار إسقاط الحكومة في هذا التوقيت ليس خياراً حكيمًا، إذ ينقل المعركة من مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية إلى مواجهة الداخل اللبناني نفسه. وهذا التحول خطير، لأنه يبدّد البوصلة الوطنية، ويجعل الخصومة الداخلية بديلاً عن مواجهة العدو، ميدانياً ودبلوماسياَ، ويحوّل النقاش من كيفية حماية السيادة إلى كيفية كسر المؤسسات. في حين أنه في علم السياسة، لا تُقاس قوة الدولة بقدرة المكونات على تعطيلها، بل بقدرتها على إدارة الخلافات ضمن الأطر الدستورية لمنعها من التحوّل إلى صراع داخلي مفتوح.

وفي هذا السياق، يظهر دور رئيس مجلس النواب اللبناني، دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري، الذي يمثل خبرة سياسية طويلة وحساً وطنياً عميقاً. فقد شهد الرئيس بري على منعطفات الحرب والسلم، ويعي تماماً أن أي اهتزاز داخلي قد يتحوّل إلى مدخل لفتنة لطالما حذر منها. لذا، يُعتبر التعويل على حكمته ضرورة وطنية وليس مجرد تفصيل عابر؛ فهو أحد أكثر الحريصين على بقاء الحكومة ومنع سقوطها في الشارع، مدركاً أن حماية المؤسسات هي في النهاية حماية للبنان نفسه، وأن استهداف الشرعية سيصب في مصلحة إسرائيل، وليس في مصلحة الدولة. لذا، برأينا المتواضع، لن يقبل دولة الرئيس بري بأي تحركات شعبية تستهدف المؤسسات الدستورية أو تدفع البلاد نحو المواجهة الداخلية. فقد أثبت دولته، في مرات عديدة قدرته على قراءة المخاطر قبل وقوعها، فهو يعلم أن صدام الشارع هو السيناريو الذي يتمناه العدو الإسرائيلي بفارغ الصبر. ومن ثم، فإن كل مواقفه، تراها ترمي إلى منع الانزلاق نحو الفوضى، وتعكس مسؤولية وطنية كبرى، خاصةً في ظل وضع لبنان الذي لم يعد يحتمل تجارب مدمرة أو مغامرات تهدد مصيره.

على صعيد آخر، لا يمكن فصل المشهد الداخلي عن السياق الإقليمي والدولي؛ فالولايات المتحدة الأميركية تبدو مقتنعة بأن الحرب الأخيرة أضعفت حزب الله استراتيجياً، وأن الفرصة متاحة الآن لفرض وقائع سياسية جديدة تعزّز من سلطة الدولة اللبنانية والجيش وتقللّ من نفوذ الحزب العسكري. وفي هذا الإطار، فإنّ أي اضطراب داخلي سيُستخدم حتماً لتشديد الضغوط على لبنان، وربما لتبرير مقاربات أقسى تجاهه. لذا، تتطلب المصلحة الوطنية إدارة هذه المرحلة بأعلى درجات العقلانية، بعيداً عن منطق التحدي والمكاسرة.

وفي الجانب الآخر، فلقد حاول كل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس الحكومة القاضي نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، اعتماد خطاب متوازن يربط بين حق لبنان في الدفاع عن نفسه من خلال مؤسساته الأمنية والعسكرية الشرعية، وضرورة تعزيز الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الوطني. وهذه اللغة ليست مجرد تفصيل إنشائي، بل تعكس محاولة لرسم معادلة جديدة تنطلق من الاعتراف بتضحيات اللبنانيين في مواجهة الاحتلال، والسعي التدريجي لإعادة حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة دون الذهاب إلى صدام مباشر أو استفزاز داخلي. ذلك أن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، والسعي لجعل إسرائيل تنسحب بالكامل من الأراضي الجنوبية المحتلة، وضمان عودة أهالينا إلى مدنهم وقراهم بأمان وكرامة، وبدء ورشة الإعمار، هي ليست شعارات سياسية ظرفية، بل عناصر لمشروع وطني متكامل.

حيث يقوم هذا المشروع على مبدأ واضح: لا سيادة كاملة من دون دولة قوية، ولا سيادة فعّالة من دون وحدة داخلية، ولا حماية للبنان إذا ظل القرار الوطني موزعاً بين مؤسسات شرعية وقوى أمر واقع؛ فلبنان بحاجة اليوم إلى إسقاط منطق الشارع من الحياة السياسية، وليس إسقاط الحكومة. وهو يحتاج إلى دولة تتحدث باسم جميع أبنائه، وجيش يحمي الحدود ولا يُستنزف في الداخل، وحكومة قادرة على التفاوض والعمل والإعمار، ومجلس نيابي يمارس دوره في الرقابة والتشريع، ورئاسة جامعة تحافظ على الدستور وتوازناته. أما تحويل الشارع إلى أداة لإسقاط السلطة، فهو وصفة مؤكدة للفوضى، والفوضى في لبنان لن تؤدي إلى الانتصار على إسرائيل، بل ستمنحها الذريعة والمساحة للمزيد من العدوان والابتزاز.

وانطلاقاً من هذا المشروع الوطني الجامع، يستحق الرؤساء الثلاثة في لبنان الإشادة بمواقفهم الوطنية: فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ودولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، ودولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام. فهؤلاء، كل من موقعه الدستوري، يمثلون حاجة لبنان إلى الحكمة، والتوازن، والتمسك بالمؤسسات. وإن وطنيتهم تجسّد حرصهم على السلم الأهلي وحماية الشرعية، وصون الجيش اللبناني الباسل ومنع البلاد من الانزلاق نحو فتنة داخلية لا يستفيد منها سوى العدو الإسرائيلي. والرهان الحقيقي اليوم يجب أن يكون على الدولة، لا على الشارع، وعلى الدستور لا على الفوضى، وعلى وحدة اللبنانيين، لا على انقسامهم. فلبنان لا يُحمى بإسقاط حكومته، بل بتثبيت مؤسساته، وتعزيز جيشه، وتوحيد قراره الوطني، والوقوف صفاً واحداً أمام الاحتلال والعدوان. وهذا هو الخيار الوطني الصحيح، وكل ما سواه هو مغامرة لا تخدم إلا إسرائيل وأعداء لبنان.

د. ابراهيم العرب

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.