وطنٌ يحمل أبناؤه نعوشهم على أكتافهم… ولا يعلمون متى تحين ساعتهم

8

بقلم دافيد عيسى

أليس من حق المواطن أن يعبّر عن ألمه وخوفه وخسارته من دون أن يُتّهم بالخيانة أو العمالة؟

رغم الحرب التي يعيشها لبنان وشعبه، ورغم القصف الإسرائيلي الهمجي الذي تسبّب بسقوط أكثر من 2500 قتيل و12500 جريح، وبالرغم من محو عشرات القرى من الخريطة، وتهجير أكثر من مليون لبناني، ورغم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية الخانقة، ورغم أننا نعيش في وطنٍ يحمل أبناؤه نعوشهم على أكتافهم ولا يعلمون متى تحين ساعتهم، نرى، للأسف، جوقةً من المحرّضين والشتّامين تعمل على نكء الجراح وبثّ سموم الحقد والانقسام بين اللبنانيين.

إنّ ما نشهده ونتابعه عبر بعض البرامج السياسية والمنصات الإعلامية والمواقع الإلكترونية، من خطابٍ تحريضي وشحنٍ طائفي ومذهبي غير مسبوق، يدفعنا إلى التساؤل بقلق ومسؤولية:

– أين القضاء؟ وأين الحكومة ممّا يُقال ويُبثّ يوميًا أمام الرأي العام؟

– ولماذا هذا التفلّت الإعلامي الخطير؟

– ولماذا هذا الكمّ من الحقد والشتائم والتهديدات والتخوين، واستحضار لغة الفتنة والثبور وعظائم الأمور؟

وما أقوله هنا لا يستثني أحدًا، بل يشمل كل الأسماء التي باتت معروفة لدى الجميع، والتي اعتادت الشتم والتخوين ورفع منسوب التوتر والتحريض، واستعمال عبارات لم نسمعها حتى في أيام الحرب المشؤومة، بدل اعتماد لغة الحوار وتهدئة النفوس وحماية الوطن.

إنّ ما يحصل معيبٌ ومخجل بحق وطنٍ دفع أثمانًا باهظة نتيجة الانقسامات والصراعات وحروب الآخرين على أرضه.

فهل يعتقد هؤلاء، أيًّا تكن الجهات التي ينتمون إليها، أنّ التهديد والشتائم يمكن أن تُخيف الآخر أو تُلغي رأيه؟

قطعًا لا.

لكن الخوف الحقيقي يبقى على مستقبل الوطن، وعلى زرع الكراهية والحقد في عقول الأجيال القادمة التي تكبر وسط هذه الأجواء المشحونة.

على هؤلاء، ومن يقف وراءهم، أن يدركوا أنّ رفض الحرب لا يعني أبدًا العداء للمقاومة كبيئة أو كناس، بل هو رفضٌ للحرب بحدّ ذاتها، وللدمار الذي تخلّفه، لا أكثر ولا أقل.

كما أنّ رفض الحرب لا يعني أبدًا تأييد إسرائيل أو الارتماء في أحضان أي مشروع خارجي، أيًّا يكن مصدره.

ثم إنّ ليس كل من يرفض الحرب عميلاً أو خائنًا، بل إنّ كثيرين يرفضون أن يبقى لبنان ساحةً لصراعات الآخرين، ويتطلعون إلى وطنٍ طبيعي يعيش فيه أبناؤه بأمن وكرامة واستقرار، بعيدًا عن الحروب التي لم تورثهم سوى الخراب والموت والدموع.

إنّ رفض الحرب موقفٌ سياسي ووطني مشروع، ولا يتعدّى حدود التعبير الديمقراطي عن الرأي.

ومن حق أي فريق يرفض جرّ البلاد إلى مواجهة مدمّرة أن يعبّر عن موقفه بصراحة.

وهنا يبرز السؤال:

ألا يحق لفريقٍ يرفض الحرب أن يقول كلمته، فيما يتخذ فريقٌ آخر قرار إدخال لبنان في حربٍ لا ناقة له فيها ولا جمل، من دون التشاور مع الدولة أو مع بقية الشركاء في الوطن؟

وهل يصبح الاعتراض ممنوعًا فيما يُتخذ قرار الحرب بشكلٍ أحادي؟

أفلا يجوز، بعد كل ما جرى ويجري، أن يقول الناس: كفى؟

أن يقولوا إن الحرب أوجعتهم وشرّدتهم وهجّرتهم، وضربت اقتصادهم ومستقبل أولادهم؟

أليس من حق المواطن أن يعبّر عن ألمه وخوفه وخسارته، من دون أن يُتّهم بالخيانة أو العمالة؟

ومن أعطى هؤلاء أصلًا حق محاكمة الناس وتوزيعهم بين خائن وعميل ووطني؟

إنّ حماية السلم الأهلي لا تكون بالتحريض ولا بإسكات الناس، بل بإعلاء لغة العقل، واحترام الرأي الآخر، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

فهل يتحرّك القضاء قبل أن يتحوّل الخطاب التحريضي إلى فتنةٍ لا تُحمد عقباها؟

فلبنان الذي أنهكته الحروب لم يعد يحتمل مزيدًا من الكراهية والانقسام، بل يحتاج إلى من يضمد جراحه لا من يفتحها من جديد.

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.