على شاطىء جبيل: ممنوع إدخال الكحول.. فهل المنع هو الحلّ!؟
بقلم نادين شلهوب
لم يعد اللبناني يعرف كيف ينسى همومه اليومية، ولا كيف يهرب من واقع اقتصادي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم. المواطن الذي يستيقظ كل صباح مثقلاً بأعباء العمل، وهمّ العائلة، والخوف على صحته ومستقبله، يحاول أحياناً أن يسرق لنفسه ساعات قليلة من الراحة، خاصة في عطلة نهاية الأسبوع أو خلال الأعياد.
البعض يقرر التوجه إلى البحر، علّه يجد مساحة يتنفّس فيها بعيداً من الضغوط. لكن الرحلة نفسها تتحول إلى معاناة جديدة. فأقل مشوار في لبنان قد يحتاج إلى ساعتين أو أكثر بسبب زحمة السير الخانقة، على الرغم من أن المسافات الجغرافية قصيرة نسبياً. أزمة السير، بخاصةٍ على أوتوستراد جونية والشمال، أصبحت جزءاً من يوميات اللبنانيين، فيما الوعود بحلول ومشاريع لا تزال حبراً على ورق منذ سنوات طويلة.
وفي ظل الحرب والتوترات التي تعيشها المنطقة اليوم، يبدو تحقيق أي مشروع بنى تحتية أقرب إلى حلم بعيد المنال.
وبعد كل هذا التعب، يصل المواطن إلى شاطئ جبيل محاولاً أن ينسى همومه لبعض الوقت. ومن حق بلدية جبيل أن تُشكر على تنظيم الشاطئ ومراقبة الوضع ومنع الفوضى، لكن في المقابل يبرز سؤال مشروع يطرحه كثيرون: لماذا يُمنع إدخال المشروبات الكحولية إلى الشاطئ؟
فالمواطن الذي يريد الجلوس بهدوء على البحر، وشرب قنينة بيرة مثلاً خلال يوم عطلته، لا يرى في ذلك أكثر من حرية شخصية، طالما أنه لا يعتدي على أحد ولا يسبب أي إشكال. وإذا كانت الحجة منع المشاكل أو الفوضى، فالمشكلة لا ترتبط حصراً بالمشروبات، والخطأ قد يصدر عن أي سبب او شخص مهما كان.
البلدية تملك صلاحية ضبط المخالفين ومعاقبة من يفتعل المشاكل، لا فرض عقوبات جماعية على الجميع. فمن غير المنطقي أن يُعامل كل الناس وكأنهم مصدر خطر مجرد لبناء فكرة مسبقة ربما أن بعض الأفراد قد يسيئون التصرف.
ما يحصل يفتح باباً واسعاً للنقاش حول مفهوم الحريات الشخصية وحدود تدخل البلديات في الحياة اليومية للمواطنين. فهل صار اللبناني بحاجة إلى إذن حتى ليستمتع بيوم هادئ على البحر؟ وهل المنع هو الحل دائماً، أم أن تطبيق القانون على المخطئ فقط هو الطريق الصحيح؟
والأخطر أن القمع والمنع المبالغ فيهما غالباً ما يولّدان نتائج عكسية. فعندما يشعر المواطن أن القرارات مجحفة أو غير منطقية، يبدأ تلقائياً بالبحث عن طرق بديلة للإلتفاف عليها. واللبناني معروف بقدرته على ابتكار مائة أسلوب وأسلوب لتجاوز أي منع يراه غير عادل. بدل أن تبني السلطة علاقة ثقة مع الناس، تدفعهم أحياناً إلى المخالفة فقط للحصول على ما يعتبرونه حقاً طبيعياً.
فلماذا دائماً يُدفع المواطن إلى البحث عن الحيلة أو الحل البديل؟ ولماذا يشعر البعض أن التعامل مع الناس يتم بعقلية المنع والقمع بدل التنظيم والمسؤولية؟
جبيل ليست مدينة مغلقة، ولا منطقة عسكرية، ولا “قندهار” كما وصفها البعض بغضب واستغراب. هي مدينة سياحية وثقافية لطالما عُرفت بانفتاحها وحبها للحياة. لذلك، فإن أي قرار يُنظر إليه على أنه تضييق غير مبرر على الحريات الشخصية سيطرح تلقائياً علامات استفهام واعتراضات واسعة بين الناس.
ببساطة، اللبناني لا يطلب الكثير. يريد فقط مساحة صغيرة يهرب إليها من ضغط الحياة، ومن الانهيار الاقتصادي، ومن القلق اليومي، ليجلس أمام البحر لساعات قليلة يشعر خلالها بأنه ما زال يعيش.
في النهاية أسئلة مشروعة يطرحها كثيرون اليوم، بخاصةٍ في مدينة مثل جبيل، التي لطالما عُرفت بانفتاحها وحيويتها السياحية.
نادين شلهوب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.