إيران و”الحزب”.. أكثر من حليف وأكبر من ساحة

4

بقلم حسن فحص

«أساس ميديا»

عندما جعلت إيران الجبهة اللبنانيّة شرطاً من شروط وقف إطلاق النار ومدخلاً لإنهاء الحرب على الطاولة أمام الوفد الأميركيّ في المفاوضات التي استضافتها ورعتها الحكومة الباكستانيّة، كانت تريد إيصال رسالة واضحة بأنّ نظرتها إلى المعادلات الأمنيّة في الإقليم ليست محصورة أو مقتصرة على بُعدها الجغرافيّ الضيّق الذي يتعلّق بحدودها، بل تنطلق من رؤيتها الخاصّة التي ترى هذه الجبهة جزءاً لا ينفصل عن استراتيجيتها للردع أمام أيّ مخاطر قد تتعرّض لها.

لا تنحصر نظرة إيران لـ”الحزب” والدور الذي يقوم به على الساحة اللبنانيّة وفي المواجهة مع إسرائيل، في اعتباره ذراعاً أو وكيلاً لها على هذه الجبهة أو الساحة، بل من منطلق الحليف الذي يتحمّل عبء ومهمّة تثبيت معادلة الردع الاستراتيجيّ الإيرانيّة وما تشكّله من تحدٍّ وتهديد للأمن الإسرائيليّ. لهذا لا يعني الإصرار والتمسّك بمطلب وقف إطلاق النار الشامل على هذه الجبهة نهاية التصعيد، بل جزء من لعبة أكثر تعقيداً ترتبط بإدارة المعركة الكبرى والصورة الأخيرة لمعادلة التوازن والردع والأهداف الاستراتيجيّة للصراع.

هل يقطع العاقل ذراعه؟

من هذا المنطلق، يشكّل لبنان الحلقة الأبرز والأهمّ في مفهوم العمق الاستراتيجيّ للنظام الإيرانيّ في سياق تثبيت نفوذه ودوره في المعادلات الإقليميّة، ومنصّة يمسك بها في حواره وتفاوضه مع الإدارة الأميركيّة من جهة، وصياغة المنظومة الإقليميّة السياسيّة والأمنيّة في التعامل مع دول المنطقة المعنيّة.

كانت هذه المعادلة، التي عملت طهران على تكريسها خلال عقود، الدافع والعامل الأساس والأبرز في القرار الذي اتّخذه “الحزب” لدخول المعركة إلى جانب طهران في الحرب التي شنّتها عليها واشنطن وتل أبيب.

قد لا تكون طهران وحلفاؤها في الإقليم مستائين من توصيف العلاقة بين الطرفين باعتبارهم “أذرعاً إقليميّة” للمشروع الإيرانيّ، وخاصّة “الحزب”، فالذراع هو جزء من الجسد، وبالتالي “الحزب” الذي يُعتبر النسق الثاني من منظومة الردع الإيرانيّة، والحوثيّون الذين هم النسق الثالث لهذه المنظومة، هما بمنزلة الأذرع التي تدافع عن الجسد. سبق لعلي شمخاني أن قال عام 2004 عندما كان يشغل منصب وزير الدفاع في حكومة الرئيس محمد خاتمي، في ردّه على سؤال عن إمكانيّة تخلّي طهران عن حليفها “الحزب” في لبنان، ورفع ذراعه وجمع قبضته في الهواء وقال: “هل يمكن لأيّ عاقل أن يقطع ذراعه”.

تأخذ هذه العلاقة العضويّة أيضاً بعداً عقائديّاً وأيديولوجيّاً يجعل الحزب ملزماً بخيار الدخول في أيّ مواجهة تنخرط بها إيران مهما كانت طبيعتها. بلغ هذا الالتزام أوجه لحظة اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي بوصفه وليّاً للفقيه والقائد الدينيّ والزعيم الروحيّ الذي يدين بالولاء له. تحوّلت هذه المشاركة إلى فرصة استغلّها “الحزب” ميدانيّاً لإعادة تصحيح الخلل الذي أصاب المعادلات الردعيّة وموازين القوى وما أُجبر على القبول به من تفاهمات داخليّة مع الحكومة اللبنانيّة بعد إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني عام 2024.

لم يكن الدخول العسكريّ لـ”الحزب” وإشعال الجبهة اللبنانيّة نتيجة نفاد صبر “الحزب” على الضربات التي تعرّض لها خلال 15 شهراً، مع أنّ مواقفه كانت تلوّح باقتراب موعد نفاد هذا الصبر، بل كانا في سياق رؤية استراتيجيّة تهدف أوّلاً إلى محاولة إلهاء القيادة العسكريّة والسياسيّة الإسرائيليّة واستنزافها من الجبهة اللبنانيّة، بحيث تكون هذه الجبهة قادرة على استقطاب جزء أساسيّ من الجهد العسكريّ الإسرائيليّ، فيخفّف نسبيّاً عن العمق الإيرانيّ، الذي كان يواجه قوّة أميركيّة هائلة ومدمّرة وغير مسبوقة. هذه المعطيات التي كانت العامل الحاسم في خيار “الحزب” للمشاركة في الحرب إلى جانب طهران، أخرجته من الطابع النظريّ في تعريف الولاء لإيران وكسر خصوصيّته اللبنانيّة، ونقلته إلى مستوى الشراكة الواقعيّة في سياق الرؤية الإيرانيّة للعمق الاستراتيجيّ وأدوار الفاعلين فيها.

من هنا تخسر مسوّغها الرئيس الخصوصيّة اللبنانيّة التي نسجها “الحزب” حول عمل المقاومة، بعد 15 شهراً. من منطلق هذه العلاقة العضويّة والتشاركيّة مع طهران، تحوّل إلى محطّة أساسيّة في منظومة الردع الإيرانيّة وضلع محوريّ في تكريس دورها ونفوذها الإقليميّ لأنّ الميزة التي يتمتّع بها “الحزب” والتي وفّرتها وهيّأتها العوامل الجغرافيّة جعلته على تماسّ مباشر مع الإسرائيليّ، بحيث تحوّل جبر الجغرافيا الذي يحكم لبنان إلى ورقة في يد طهران تسمح لها بامتلاك موقع وقاعدة قويّة على الحدود مع تل أبيب، وبالتالي وجود قوّات منظّمة ومدرّبة وذات خبرة عسكريّة كالتي لدى “الحزب” يسمح لطهران بأن تكون قادرة على القيام بعمليّات حربيّة مؤثّرة تربك الحسابات الإسرائيليّة والأميركيّة على حدّ سواء.

ساحة مؤثّرة

لم يتمحور التعامل الإيرانيّ مع الجبهة اللبنانيّة باعتبارها جبهة حقيقيّة فاعلة ومؤثّرة وحسب، بل ودائماً على أهبة الاستعداد للعمل العسكريّ متى ظهرت الحاجة إليها. هذا ما يمنحها خصوصيّة أساسيّة نتيجة قدرتها على الاستمرار والصمود والبقاء، وبالتالي يعزّز موقعها ومحوريّتها في معادلة الردع من خلال الحفاظ على قدرة التكيّف وعدم الاستنزاف أو التفكّك، ويزيد من قدرتها على امتصاص ضغوط الداخل اللبنانيّ.

أثبت “الحزب” أنّه يعمل بمرونة كبيرة مع تطوّرات الميدان الحربيّ، وبمستوى من الالتزام الكبير في ما تقرّره إدارة المعركة في طهران. برز ذلك بعد إعلان وقف إطلاق النار من خلال الحفاظ على مستوى مدروس من العمليّات العسكريّة ضدّ القوّات الإسرائيليّة، بحيث لا تعطي الذريعة لتل أبيب لإعادة فتح الجبهة والعودة إلى الحرب المفتوحة من جهة، وتساعد الحليف الإيرانيّ من جهة أخرى على التمسّك بشروطه التفاوضيّة مع واشنطن، التي يضع على رأسها مطلب إنهاء الحرب على الجبهتين (الإيرانيّة واللبنانيّة) والانسحاب الإسرائيليّ الكامل من كلّ الأراضي اللبنانيّة. تنظر طهران إلى مسألة إنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيليّ من لبنان باعتبارها انتصاراً استراتيجيّاً يضمن لها إلحاق هزيمة بإسرائيل وإحباط كلّ الأهداف التي عملت وتعمل عليها تل أبيب لجعل طهران مكشوفة وعارية أمام أيّ تهديد وصولاً إلى القضاء على دورها ونفوذها وعمقها الاستراتيجيّ في الإقليم.

لا تقتصر آثار إدارة هذا التوازن والحفاظ على التعادل بين وقف إطلاق النار والحرب المفتوحة والشاملة على مرحلة الحرب فقط، بل تبرز أهمّيّتها الكبرى في التهدئة والسلام. هذا ما يجعل من الساحة اللبنانيّة بالنسبة لطهران أكثر من جبهة، بل ساحة تلعب دوراً مؤثّراً على معادلات الأمن الإسرائيليّ في مرحلة الهدوء، من خلال استنزاف جزء أساسيّ من قدراته لمواكبة الخطر الكامن في هذه الجبهة، وهو استنزاف دخل في صلب معادلة الردع والأهداف الاستراتيجيّة لإيران.

حسن فحص

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.