استاتيكو الهدنة: إسرائيل تُحيّد بيروت فقط
بقلم ملاك عقيل
«أساس ميديا»
لم يكن خطاب رئيس الجمهوريّة جوزف عون العالي السقف، هو المعطى الوحيد الذي أعاق سلوك موكب الرئيس نبيه برّي طريق القصر الجمهوريّ، فالفرز السياسيّ الداخليّ الحادّ، والارتكابات الإجراميّة لإسرائيل جنوباً وبقاعاً في مرحلة وقف إطلاق النار، ثمّ “تمديده” برعاية أميركيّة، كلّها عوامل تعيق حصول اللقاء. ثم أتى السجال العلني، الأول من نوعه، بين رئيسيّ الجمهورية ومجلس النواب ليُكرّس حدّة الخلاف السياسي واختلاف وجهات النظر حيال ملفات أساسية على رأسها المفاوضات، ومسألة التنسيق بين الرؤساء.
الهدف الأساسيّ من اللقاء هو إعلان موقف موحّد من المفاوضات المباشرة، التي أعلن رئيس الجمهوريّة في التاسع من آذار قرار لبنان خوضها، إضافة إلى تمتين الجبهة الداخليّة. لكنّ معلومات “أساس” أشارت إلى أنّ الرؤساء الثلاثة باتوا يتحرّكون وفق إجراءات أمنيّة مشدّدة، أكثر من السابق. وهي من العوامل المؤثّرة أيضاً، فيما لفت أمس تسريب معلومات إسرائيليّة عن أنّ “حياة الرئيس عون بخطر” على خلفيّة المسار الذي ينتهجه.
البخاري: مسار ثلاثيّ توافقيّ
إثر زيارة الأمير السعوديّ يزيد بن فرحان لبيروت والرسائل التي حملها، كان لافتاً وسط تأزّم الوضع السياسيّ تأكيد السفير السعوديّ وليد البخاري عقب زيارته رئيس المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى علي الخطيب أنّ “المطلوب مسار يتوافق عليه الرؤساء الثلاثة في لبنان لتحصين السلم الأهليّ”، معوّلاً على “حكمة الرئيس برّي في كلّ مفصل، وإثبات دوره في كلّ المراحل، وهو لم يُخيّب آمال من يراهنون عليه”.
لا يزال هذا المسار حتّى الآن أسير معطيَين سلبيَّين: الجرائم الإسرائيليّة المتمادية التي تمنع حصول لقاء أو تلاقٍ رئاسيّ يتوّج هذا المطلب السعوديّ، وآخرها مجازر جبشيت ومُسعفي الدفاع المدنيّ في مجدل زون، وعدم إمكان الرئيس برّي تغطية المفاوضات المباشرة، وقبلها مفاوضات السفراء في واشنطن، بحكم موقعه والتوازنات الشيعيّة التي يمثّلها.
منذ بدء سريان وقف إطلاق النار لعشرة أيّام في 17 نيسان، وتمديده لثلاثة أسابيع في 23 نيسان، وما بينهما وقوع عشرات الشهداء وتدمير قرى جنوبيّة بأكملها، لم يصدر أيّ موقف رسميّ معلن من الرئيسين جوزف عون ونوّاف سلام يدين خرق وقف إطلاق النار، بل صدرت فقط إشارة إلى “استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة”، فيما جاهر الرئيس برّي بالقول: “أين هو وقف إطلاق النار؟”.
يقول مصدر قريب من بعبدا لـ”أساس”: “نحن في مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار، الذي هو مدخل إلزاميّ لبدء المفاوضات المباشرة، فيما تُساهِم عمليّات “الحزب” في دفع إسرائيل إلى مزيد من الاعتداءات العسكريّة”. لكنّ الإسرائيليّ يصعّب الأمر أكثر على السلطة اللبنانيّة حين يقرّ بنيامين نتنياهو أنّ “تحرّكاتنا لإحباط التهديدات المباشرة والمستجدّة، جزء من اتّفاقنا مع الولايات المتّحدة الأميركيّة ولبنان، والعمل لم ينتهِ بعد”.
هذا مع العلم أنّه في جلسة مجلس الوزراء الخميس الماضي (23 نيسان) مهّد الرئيس عون للّقاء الثاني للسفراء في واشنطن بالتأكيد أنّ تمديد وقف إطلاق النار “سيشمل وقف تدمير المنازل والاعتداء على المدنيّين ودور العبادة والإعلاميّين والجسمَين الطبّيّ والتربويّ”.
بالطبع هذا ما لم تلتزمه إسرائيل، مُمعِنة في مجازرها اليوميّة، ومُعلنة أمس، فوق ركام خرقها لوقف إطلاق النار، أنّ “الخطّ الأصفر أصبح الآن خطّ الدفاع الأماميّ الجديد لإسرائيل الواجب حمايته”. وقد ارتفعت حدّة السجال الرئاسي من خلال ردّ الرئيس نبيه بري مباشرة أمس على رئيس الجمهورية بتأكيده أن “مواقفه أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيقة، إن لم نقل غير ذلك. وكذلك بالنسبة لاتفاق تشرين الثاني 2024، وموضوع المفاوضات”.
فرئيس الجمهورية كان أطلق مواقف بدت ملتبسة أكد خلالها أن “كل خطوة اتّخذتها كنت على تنسيق مع رئيسيّ مجلس النواب والحكومة، عكس ما يحكى في الإعلام”، مشيراً إلى أن “الانتقادات في شأن البيان الاميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، حول منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، فالكلام ورد في بيان صادر عن وزارة الخارجية الاميركية، وهو النصّ نفسه الذي اعتمد في تشرين الثاني 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف”.
اجتماع ثالث في واشنطن؟
وفق المعلومات، قد يكون هناك اجتماع ثالث في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن ما دام وقف إطلاق النار لم يثبت حتّى الآن، بينما الموقف الرسميّ حتّى الساعة يفيد أنّ السفير السابق سيمون كرم سيرأس الوفد اللبنانيّ للتفاوض المباشر الذي لا أثر له حتّى الآن، ولا اتّفاق على مكان عقده.
وجهة النظر الأميركيّة التي وصلت بوضوح إلى بيروت مفادها: “إسرائيل تواظب على عمليّاتها العسكريّة داخل الخطّ الأصفر، وحيثما تجد ذلك ضروريّاً، لكن لا استهداف بالقصف لبيروت، بما في ذلك الضاحية، أقلّه خلال مدّة وقف إطلاق النار”.
هذا ما إشار إليه الإعلام الإسرائيليّ أمس عبر التأكيد أنّ “عمليّات تل أبيب العسكريّة مضبوطة بسبب الضغط الأميركيّ”. أمّا الترجمة العمليّة على الأرض فهي أقرب إلى تفويض أميركيّ مفتوح لإسرائيل باعتماد سياسة “دفاعيّة” أمام عمليّات “الحزب” العسكريّة، لكن بتحييد “الأهداف اللبنانيّة، المدنيّة والعسكريّة، وغيرها من أهداف الدولة”، كما ورد حرفيّاً في نصّ الاتّفاق بين لبنان وإسرائيل الذي أعلن الرئيس عون قبل أيّام أنّ “لبنان أكّده”.
الجنوب وساقية الجنزير
يعقد مجلس الوزراء اليوم جلسة ذات بنود عاديّة في القصر الجمهوريّ، وسيطرح من خارج جدول أعمالها ثلاث مسائل أساسيّة: استمرار العمليّات العسكريّة ومصير وقف إطلاق النار، حادثة ساقية الجنزير الذي ستكون لرئيس الحكومة مداخلة بشأنها، وملفّ التعيينات.
تقول المعلومات إنّ عون كعادته سيطلق المزيد من المواقف المرتبطة بموضوع المفاوضات، فيما لم يُعرف هل يثير “الحزب” عبر وزيرَيه مسألة الاتّهامات التي وجّهها عون إليه بـ”الخيانة”، فيما تجزم أوساط رئيس الجمهوريّة أنّ “أمين عام “الحزب” هو من بادر إلى اتّهام السلطة وعون بالخيانة حتّى قبل بدء المفاوضات، وقبل أن يصدر موقف واضح من ذعون يرفض لقاء نتنياهو في المرحلة الراهنة، فيما “الحزب” يجرّ لبنان إلى الخراب”.
في هذا السياق، تفيد معلومات “أساس” بأنّ مستشاراً أساسيّاً لدى الرئيس عون لم يكن موافقاً على النبرة العالية السقف التي طَبَعت مواقف عون بعد استقباله وفداً من حاصبيا والعرقوب، إضافة إلى إظهار عون بموقع الموقّع على اتّفاقيّة تعطي إسرائيل الحقّ باستباحة كلّ شيء في مرحلة وقف إطلاق النار.
التّعيينات
على خطّ آخر، ستُطرَح من خارج جدول الأعمال مسألة التعيينات. هنا تفيد معلومات “أساس” بأنّه في حال حلّ عقدة تعيين المدير العامّ للشؤون الاجتماعيّة، سيُفرج عن تعيين المديرَين العامَّين للصحّة والنفط.
اعترض النائب السابق وليد جنبلاط على أيّ تعيين يسبق تعيين المدير العامّ للصحّة الذي زكّى جنبلاط اسمه، وهو وئام بو حمدان، ووافق رئيسا الجمهوريّة والحكومة عليه. لكنّ عقدة المدير العامّ للشؤون الاجتماعيّة حالت دون ذلك. سبق أن عرض “الحزب” على مجلس الوزراء أربعة أسماء رفضتها جميعها الوزيرة حنين السيّد. قد تُعرض اليوم على مجلس الوزراء ثلاثة أسماء رفعها مجلس الخدمة المدنيّة بعدما نجحت في امتحان المقابلات، وإذا جرى التوافق على اسم المدير العامّ للشؤون الاجتماعيّة فسينسحب ذلك على باقي التعيينات.
أمّا تعيين مدّعي عامّ التمييز فقد بقي حتّى يوم أمس محطّ أخذ وردّ، و”حرق أسماء”، وتزكية أسماء من جانب جهات نافذة. مع العلم، أنّ الرئيس عون التقى أمس مدّعي عام التمييز بالإنابة القاضي بيار فرنسيس.
ملاك عقيل
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.