استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: اغتيال مشروع وطن – 2

16

المحامي  أسامة العرب

وقد تميز خطابه السياسي بقدرته على الجمع بين وضوح الموقف واعتدال العبارة. فكان يرفض الاستقواء بالخارج كما يرفض الاستعلاء في الداخل، مدركاً أن أي طائفة تحاول حكم لبنان منفردة تدفعه نحو الانهيار، وأن أي مكوّن يشعر بالخوف أو الإقصاء سيبحث عن حماية خارج إطار الدولة. لذلك قام مشروعه على الدولة العادلة والقوية، لا الدولة الغالبة، وعلى المشاركة الوطنية لا المحاصصة المدمرة، وعلى الإصلاح السياسي لا الانتقام الطائفي.

وفي السادس عشر من أيار عام 1989، امتدت يد الغدر إلى جسده، لكنها كانت في الحقيقة تستهدف النهج الذي يمثله. فجاء اغتياله قرب دار الفتوى رسالة دموية موجهة إلى الاعتدال اللبناني والعروبة الجامعة ومشروع الدولة. فالقاتل كان يدرك أن دار الفتوى لم تكن مجرد مؤسسة دينية، بل قلعة وطنية تدافع عن وحدة المسلمين ضمن مشروع وطني جامع، وترفض تحويل الدين إلى أداة اقتتال أو انقسام.

ومن الناحية السياسية، يمكن قراءة اغتياله كجزء من مسلسل استهداف المرجعيات الوطنية القادرة على منع لبنان من السقوط الكامل في التفكك. ففي زمن الحروب الأهلية، تصبح الكلمة العاقلة أخطر على مشاريع الفوضى من السلاح، ويغدو رجل الاعتدال خصماً لكل من يستثمر في الانقسام. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يكون المفتي الشيخ حسن خالد هدفاً، لأنه مثّل النقيض الكامل لمنطق الحرب: الدولة في زمن الدويلات، والوفاق في زمن الانقسام، والعروبة الجامعة في زمن الاصطفافات القاتلة.

وبصفتي من الذين تشرفوا بصداقة متينة مع سماحته، كنت ألمس فيه ذلك التوازن النادر بين الزهد الديني وصلابة الموقف الوطني. فقد كان بعيداً عن الاستعراض ومظاهر السلطة، لكنه شديد الحزم حين يتعلق الأمر بعروبة لبنان، أو بوحدة الدولة، أو بدور المسلمين في حماية الوطن. ولم يكن يرى المسلمين طرفاً في نزاع طائفي، بل ركناً من أركان الوحدة الوطنية وشريكاً أصيلاً في بناء دولة العدالة والمساواة.

وكان يدرك أن دور دار الفتوى لا يكتمل إلا بكونها مرجعية جامعة لا منبراً للفئوية، ولذلك أصرّ، في أحلك الظروف، على أن يكون مفتياً لكل اللبنانيين. وخلال المحطات السوداء من تاريخنا، من حرب المخيمات إلى معارك بيروت الأليمة، بقي صوته صوت العقل والرحمة والمسؤولية؛ فلم يساوم على القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه رفض تحويل المخيمات إلى وقود لصراعات الآخرين، كما رفض أن تتحول بيروت إلى ساحة انتقام أو تصفية حسابات.

إن مدرسة المفتي الشهيد تقوم على معادلة ثلاثية لا تزال صالحة حتى اليوم: الدولة أولاً، والعروبة إطاراً حضارياً، والمواطنة أساساً للحقوق والواجبات. وهي المعادلة التي يحتاجها لبنان اليوم في ظل الانهيار المؤسساتي، وتراجع الثقة بالدولة، وتصاعد الخطابات الشعبوية والطائفية، وتحول الإقليم إلى ساحة صراعات مفتوحة. فلبنان لا ينهض بإحياء العصبيات، ولا بتحميل طائفة مسؤولية فشل الدولة، بل باستعادة فكرة الدولة بوصفها الضامن الوحيد للجميع.

وفي هذا السياق، لا يمكن تناول إرث المفتي الشيخ حسن خالد من دون التوقف عند ضرورة استكمال معركة إلغاء الطائفية السياسية، لا كشعار إنشائي، بل كمسار دستوري وثقافي وتربوي. فقد كان يرى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يتحرر المواطن من التبعية الطائفية ليصبح شريكاً في دولة القانون، وهو ما لا يزال يشكل جوهر أي مشروع إنقاذي جدي للبنان.

كما أن الوفاء لدمه لا يكون بالمهرجانات والخطب وحدها، بل بإحياء مشروعه السياسي والأخلاقي: الدفاع عن السيادة، وحماية المؤسسات، ورفض الفتنة، وصون العيش المشترك، والتمسك بفلسطين والقدس كقضية مركزية، وبناء دولة عادلة لا يشعر فيها أي مواطن بأنه غريب أو مستباح. فالشهيد لا يُكرَّم بالبكاء عليه فقط، بل بالعمل على حماية المبادئ التي استشهد من أجلها.

ونحن اليوم، إذ نحمل أمانة هذه الدماء الزكية، نرى في سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان، أطال الله بعمره، امتداداً لهذه المدرسة الوطنية الجامعة، وتمسكاً بنهج الاعتدال والإصلاح وحماية الدار والوطن. فدار الفتوى، حين تبقى وفية لتاريخها، لا تكون مؤسسة دينية لطائفة بعينها فقط، بل مرجعية وطنية في الدفاع عن لبنان الدولة، ولبنان الرسالة، ولبنان العروبة المنفتحة على الشراكة والتعدد.

وخلاصة القول، إن المفتي الشيخ حسن خالد لم يرحل بالمعنى العميق للكلمة. فصحيح أن يد الإجرام غيّبت جسده، لكنها لم تستطع اغتيال فكرته. لقد استوطن الرجل ذاكرة الوطن، وتحول إلى معيار أخلاقي وسياسي يُقاس به صدق الالتزام بالدولة والوفاق والعروبة. وسيبقى دمه أمانة في أعناق اللبنانيين، يدفعهم إلى استكمال معركة السيادة والاستقلال، والدفاع عن الحق العربي في فلسطين والقدس، والعمل لبناء دولة المؤسسات والقانون.

رحم الله المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، رجل النزاهة وعفة النفس، وصاحب البصيرة الوطنية، الذي أدرك قبل كثيرين أن لبنان لا يعيش إلا بوحدته، ولا ينهض إلا بدولته، ولا يصون تنوعه إلا بمواطنته الجامعة. وسيظل اسمه محفوراً في سجل الخالدين، لا كأحد أعظم مفتِي لبنان في تاريخه الحديث فحسب، بل كقائد وطني استثنائي بقي حياً في ضمير العروبة ووجدان كل لبناني مؤمن بوحدة وطنه ونهائية كيانه وعدالة دولته.

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.