استقالة كير ستارمر وارتفاع حظوظ بيرنهام
المحامي أسامة العرب
مثّل إعلان السير كير ستارمر استقالته من رئاسة الوزراء وزعامة حزب العمال، صبيحة يوم الاثنين، لحظة فارقة في المشهد السياسي البريطاني المعاصر. فالرجل الذي قاد حزبه قبل عامين فقط إلى ثاني أكبر انتصار انتخابي في تاريخه، وجد نفسه واقفاً أمام شرفة مكتبه في 10 داوننغ ستريت، معلناً نهاية مشواره السياسي، في مشهد يختزل ببلاغة قاسية تقلبات السياسة البريطانية وتسارع إيقاعها. هذه الاستقالة لا تمثل مجرد تغيير في شاغل المنصب، بل تكشف عن أزمة أعمق في بنية الحكم وعلاقة الناخب بالسلطة في بريطانيا ما بعد البريكست.
يمكن تفنيد العوامل التي قادت إلى استقالة ستارمر من خلال خمسة محاور رئيسية، شكلت في مجموعها ما يشبه العاصفة الكاملة التي عصفت بزعامته:
أولاً: إلغاء مدفوعات وقود الشتاء:
شكّل قرار وزيرة المالية راشيل ريفز، بعد أسابيع معدودة من تسلم الحكومة مهامها، إلغاء مدفوعات وقود الشتاء للمتقاعدين غير المتلقين لإعانات، ضربةً قاسيةً للعقد الاجتماعي الضمني بين حزب العمال وقاعدته التقليدية. هذا القرار، الذي جاء متناقضاً مع خطاب الحزب الذي طالما دافع عن الفئات الهشة، مثّل خرقاً للثقة بشكل لا يمكن إصلاحه بسهولة. واللافت أن التراجع اللاحق عن القرار لم يفلح في استعادة المصداقية المفقودة، وهو ما يؤكد مقولة سياسية معروفة مفادها أن فقدان الثقة يحدث بسرعة البرق، بينما استعادتها تتطلب زمناً جيولوجياً.
ثانياً: رفع اشتراكات التأمين الوطني على أصحاب العمل:
جاء هذا الإجراء المالي مناقضاً صريحاً للتعهدات الانتخابية التي قطعها الحزب بعدم رفع ثلاثة أنواع من الضرائب، من بينها التأمين الوطني. هذه المخالفة الصريحة للوعد الانتخابي، في وقت مبكر جداً من عمر الحكومة، خلقت انطباعاً لدى الناخبين بأن الخطاب الانتخابي ليس سوى غطاء تكتيكي سرعان ما يُنحى جانباً عند الوصول إلى السلطة.
ثالثاً: فضائح الهدايا والمحسوبية:
تلقى ستارمر هدايا تجاوزت قيمتها مئة ألف جنيه إسترليني، شملت تذاكر مباريات كرة قدم وملابس فاخرة لزوجته من أحد المتبرعين للحزب، دون الإفصاح عنها بالشكل المناسب. هذه الفضائح، التي قد تبدو هامشية مقارنة بفضائح سياسية كبرى، اكتسبت خطورتها من كونها قوّضت الخطاب المؤسس لحكومة ستارمر حول “إعادة السياسة إلى خدمة الشعب”. فعندما يقدم رئيس الوزراء نفسه كرجل نزيه يسعى لتطهير الحياة السياسية، ثم ينكشف تلقي هدايا باهظة، تتحول الممارسة من مجرد خطأ إجرائي إلى تناقض وجودي يضرب في صميم الشرعية الأخلاقية.
رابعاً: فضيحة تعيين بيتر ماندلسون:
كان تعيين ماندلسون سفيراً، رغم علاقته الموثقة بالمدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال جيفري إبستين، بمثابة الضربة القاضية للحكومة. وحتى بعد إقالة ماندلسون، استمرت التساؤلات حول كيفية إجراء عملية التعيين، وطبيعة العلاقات التي سمحت لشخص بهذه السوابق بالوصول إلى هذا المنصب. هذه الفضيحة لم تكن مجرد خطأ في التقدير السياسي، بل كشفت عن ثغرات في آليات التدقيق والحوكمة داخل دوائر صنع القرار.
خامساً: الهزيمة المدوية في الانتخابات المحلية:
جاءت نتائج انتخابات مايو الماضي، التي خسر فيها حزب العمال ما يقرب من 1400 مقعد في المجالس المحلية، لتكون الترجمة الانتخابية للغضب الشعبي المتراكم، والقشة التي قصمت ظهر البعير. هذه الهزيمة لم تكن مجرد إنذار انتخابي، بل كانت أشبه بزلزال سياسي أعاد تشكيل ميزان القوى داخل الحزب، ودفع بنواب العمال إلى الالتفاف حول أندي بيرنهام كبديل قادر على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
من جهة أخرى، في المشهد السياسي المعقد الذي يخلفه ستارمر، يبرز أندي بيرنهام كمرشح أوحد لخلافته، خاصة بعد إعلان وزير الصحة السابق ويس ستريتنغ تأييده له. لكن الطريق أمام بيرنهام ليس مفروشاً بالورود، بل يكتنفه سلسلة من المعضلات البنيوية التي تتجاوز قدرة أي زعيم على الحل السريع.
ولم يوضح بيرنهام بعد موقفه من قضايا جوهرية تتعلق بالسياسة الخارجية والاقتصاد والدفاع. هذا الغموض، الذي قد يكون تكتيكياً في مرحلة ما قبل تسلم المنصب، لن يكون مستداماً بعد توليه الزعامة. فالناخب البريطاني، والأسواق المالية، والحلفاء الدوليون، جميعهم ينتظرون إشارات واضحة حول الاتجاه الذي ستسلكه حكومته.
كما يواجه بيرنهام معضلة اقتصادية هيكلية تتمثل في أعلى تكاليف اقتراض بين دول مجموعة السبع، وارتفاع الديون ومدفوعات الفائدة، وسنوات من النمو الاقتصادي الضعيف، وصعوبة خفض الإنفاق، والحاجة إلى زيادة الاستثمار في مجالات مثل الدفاع. فتصريحه السابق عن ضرورة تجاوز “حالة الارتهان لأسواق السندات” يثير تساؤلات جدية حول مقاربته للسياسة المالية، وكيفية الموازنة بين طمأنة المستثمرين من جهة، وتحقيق الوعود الانتخابية بتخفيف الأعباء المعيشية من جهة أخرى.
كذلك، سيصبح بيرنهام – في حال خلافته ستارمر – سابع رئيس وزراء لبريطانيا منذ الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي قبل عقد من الزمان. هذا المعدل المرتفع في تغيير القيادة، وهو الأعلى منذ قرنين تقريباً، يعكس حالة من عدم الاستقرار السياسي المزمن. فبريطانيا لم تعد تعاني فقط من أزمة حكم، بل من أزمة في بنية النظام السياسي نفسه، الذي يبدو عاجزاً عن إنتاج حكومات مستقرة قادرة على إنهاء ولاياتها بشكل طبيعي.
في الختام، إن استقالة كير ستارمر ليست مجرد نهاية لزعيم وبداية لآخر، بل هي عرض لحالة سياسية أوسع تعيشها بريطانيا المعاصرة. فالناخبون الغاضبون من تردي مستويات المعيشة والخدمات العامة، والعاجزون عن رؤية تحسن ملموس في حياتهم اليومية، صاروا يعاقبون الحكومات المتعاقبة بوتيرة متسارعة، دون أن يمنحوا أي منها فرصة كافية لإحداث تغيير حقيقي.
أما بيرنهام، فإن التحدي الأكبر الذي يواجهه ليس مجرد استعادة شعبية حزب العمال، بل إعادة بناء الثقة في العملية السياسية برمتها، في وقت تضيق فيه هوامش المناورة الاقتصادية، وتتعالى فيه المطالب الشعبية المتضاربة. وإنها لمعضلة قد لا تكون مستعصية فحسب، بل قد تكون مستحيلة في ظل الظروف الراهنة.
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.