استهداف قيادة الجيش… هل يفتح باب الفتنة؟
بقلم د. ابراهيم العرب
في مرحلة وطنية شديدة الحساسية تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع ضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة، تبرز أهمية الحفاظ على المؤسسات الدستورية والعسكرية بوصفها الركائز الأساسية لبقاء الدولة واستقرارها. ومن هنا، فإنّ الحملات الممنهجة التي تستهدف قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها السياسي والأمني، إذ تحمل في توقيتها وطبيعتها مؤشرات خطيرة على محاولة إضعاف المؤسسة العسكرية وضرب الثقة بها في لحظة يحتاج فيها لبنان أكثر من أي وقت مضى إلى وحدة الصف.
فالجيش اللبناني لم يكن يوماً مؤسسة عابرة في المعادلة الوطنية، بل شكّل تاريخياً صمّام الأمان الذي حافظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة في أصعب الظروف، ووقف في وجه الانهيارات الأمنية، وحمى السلم الأهلي عندما كانت الانقسامات تهدد بنسف ما تبقى من مقومات الوطن. لذلك فإن أي استهداف لقيادته لا يصيب شخص القائد فحسب، بل يطال رمزاً من رموز الدولة ومؤسسة يفترض أن تبقى فوق التجاذبات السياسية والحسابات الضيقة.
وقد جاء موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون واضحاً في هذا السياق، إذ أكد أن الحملات التي تطال المؤسسة العسكرية وقيادتها لن تؤثر على أدائها الوطني، ولا على التزامها بقرارات السلطة السياسية الشرعية، مشدداً على الدور الذي يقوم به الجيش، قيادةً وضباطاً وأفراداً، في بسط سلطة الدولة، وحفظ الأمن والاستقرار، وضبط الحدود، وحماية السلم الأهلي.
هذا الموقف الرئاسي يعكس حقيقة أساسية، وهي أن المؤسسة العسكرية ليست طرفاً في الصراعات السياسية، بل هي أداة الدولة الشرعية لتنفيذ القرارات وحماية الوطن. فالجيش لا يصنع السياسات، بل ينفذ ما تقرره السلطة السياسية، ومن ثم فإن محاولة تحميله مسؤوليات سياسية أو إدخاله في سجالات داخلية تشكل خطراً على طبيعة دوره وعلى مفهوم الدولة نفسها.
أما الحديث عن إقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، فقد ظهر في الأيام الأخيرة كجزء من سجال إعلامي وسياسي أكثر منه واقعاً عملياً قابلاً للتنفيذ. فمثل هذا القرار، وفق الأصول القانونية، ليس إجراءً بسيطاً أو خاضعاً للأمزجة السياسية، بل يحتاج إلى توافق سياسي غير متوافر داخل الحكومة، فإقالة قائد الجيش تخضع لنفس آلية تعيينه، وبالتالي تتمّ بناءً على اقتراح من وزير الدفاع الوطني في جلسة لمجلس الوزراء، وبعد التداول يتخذ المجلس القرار بأكثرية الثلثين من أعضائه. وإذا اتُّخذ القرار، يصدر مرسومٌ عن رئيس الجمهورية يشترك بالتوقيع عليه رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع ووزير المالية.
ومن حقّ القائد المُقال الطعن بمرسوم الإقالة أمام مجلس شورى الدولة. فضلاً عن أن العماد هيكل ليس بوارد الاستقالة، وهو متمسّك بمتابعة مهامه وتنفيذ ما تقرّره السلطة السياسية، ما يجعل كل ما يُثار حول قرب إقالته أو تنحيته أقرب إلى حملة ضغط سياسية وإعلامية منه إلى سيناريو قابل للتحقق.
وبالتالي، فإن تضخيم هذا الملف في هذا التوقيت يطرح علامات استفهام حول الأهداف الحقيقية الكامنة خلفه، خصوصاً أن لبنان يواجه تحديات أمنية كبيرة، ويحتاج إلى تثبيت مؤسساته لا إلى إدخالها في دوامة من الشكوك والاتهامات. فالجيش اليوم يضطلع بمهمات دقيقة تتصل بحماية الحدود، وضبط الاستقرار الداخلي، والتعامل مع تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وما نتج عنها من أزمات إنسانية ونزوح وتهديدات مباشرة للأمن الوطني.
كما أن المرحلة الحالية تشهد حراكاً عسكرياً ودبلوماسياً متسارعاً، حيث بات دور المؤسسة العسكرية محورياً في أي ترتيبات أمنية مقبلة. وفي هذا الإطار، فإن اللقاءات التي يجريها قائد الجيش مع مسؤولين عسكريين ودوليين، ومنها البحث في آليات تنفيذ الاتفاقات الأمنية ودور الجيش في المرحلة المقبلة، تؤكد أن المطلوب هو تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية وتمكينها، لا فتح معارك داخلية ضدها.
إن التصويب على قيادة الجيش في هذه اللحظة ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل يحمل تداعيات تتجاوز الأشخاص لتطال الثقة بالدولة نفسها. فإضعاف الجيش يعني عملياً إضعاف المرجعية الأمنية الشرعية، وفتح المجال أمام الفوضى والفراغ، وهو ما يتناقض مع مصلحة لبنان العليا.
إن المسؤولية الوطنية تفرض اليوم الوقوف إلى جانب المؤسسة العسكرية وقيادتها، ليس دفاعاً عن شخص أو موقع، بل دفاعاً عن فكرة الدولة وعن آخر خطوط الدفاع التي تحمي وحدة اللبنانيين. فالفتن لا تبدأ دائماً بانفجار كبير، بل غالباً ما تبدأ بحملات تشويه، وبضرب الثقة بالمؤسسات، وبمحاولات تحويل الخلافات السياسية إلى انقسامات تهدد السلم الأهلي.
في الختام، لبنان لا يحتمل في هذه المرحلة مغامرات جديدة أو صراعات تستنزف مؤسساته. فالتجارب المريرة التي عاشها اللبنانيون أثبتت أن سقوط هيبة الدولة لا يعقبه إلا الفوضى، وأن حماية المؤسسات الشرعية هي الطريق الوحيد للخروج من الأزمات. ومن هنا، فإن مواجهة الحملات التي تستهدف الجيش وقيادته ليست دفاعاً عن طرف سياسي، بل هي دفاع عن الوطن نفسه. فالمطلوب اليوم هو تحصين المؤسسة العسكرية، دعمها، ومنع تحويلها إلى ساحة صراع، لأن الجيش القوي والموحّد هو الضمانة الأولى لبقاء لبنان آمناً ومستقراً في وجه كل مشاريع الفتنة والانقسام.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.