“الحزب” لدبلوماسيّين عرب: لا حصر للسّلاح

7

بقلم نقولا ناصيف
«أساس ميديا»
حتّى نهاية السنة الحاليّة هناك قراءة تشاؤميّة لدبلوماسيّين عرب على تواصل بالسلطات الرسميّة اللبنانيّة، لكنّهم كذلك، من بين قلّة من سفارات عربيّة في بيروت، على صلة بـ “الحزب” وإن في حدود دنيا. هذه القراءة يستمدّونها ممّا يسمعونه من فريقين أضحيا على طرفَي نقيض، وأقرب ما يكونان إلى قطيعة يصعب معها تقاطعهما في الوقت الحاضر.
تستند القراءة التشاؤميّة للدبلوماسيّين العرب إلى بضعة معطيات، منها:
1 – الاعتقاد بأنّ الجولة السابعة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة، التي التأمت في روما في 4 آب، هي الأخيرة حتّى نهاية السنة في انتظار نتائج الانتخابات التشريعيّة الإسرائيليّة وتأليف حكومة جديدة كي تعاود الجلوس إلى الطاولة مع لبنان. ذلك ما افترض أنّ الأشهر الفاصلة عن نهاية السنة تقتضي عناية خاصّة على نحو يحاول ملء الفراغ الناجم عن توقّف التفاوض عبر ما هو “غير حقيقيّ”، تبعاً لعبارة الدبلوماسيّين العرب. استناداً إلى معلومات مصدرها واشنطن، لم يتحمّس الأميركيّون ولا الإسرائيليّون، كلّ منهما لأسباب مختلفة عن الآخر، لاستكمال جولات التفاوض. وكلاهما يجزم بإمرار الأشهر التالية في جمود.
إلهاء الدّاخل عن مأزق التّفاوض
2 ـ توجب المعضلة التي ترافق هذا الجمود إدارة مرحلة الغموض بضوابط تمنع تفلّت التصعيد العسكريّ الإسرائيليّ، وتجاوزه الخطوط الحمر المرسومة له بحصره في الجنوب، فيما واصلت إسرائيل مذّاك يوميّاً هجماتها واعتداءاتها على بلدات الجنوب وقراه في المنطقة الصفراء وخارجها، غارات وقصفاً وتدميراً وجرفاً، وكأنّه على لبنان الرسميّ إشغال نفسه بملفّات داخليّة أقرب ما تكون إلى الإلهاء. ذلك ما فسّر في الشهرين الأخيرين انصراف مجلس النوّاب إلى إصدار قوانين ذات أهمّية داخليّة، كقوانين العفو العامّ والإعلام وإلغاء الإعدام وسواها، ناهيك بمحاولة إجراء معالجات اجتماعيّة ومعيشيّة، أضف جلسة مناقشة الحكومة بغية تنفيس الاحتقان داخل القاعة فحسب. ليس الإلهاء هذا سوى محاولة لملء الفراغ بما لا يدفع مأزق التفاوض المعطّل إلى مواجهة داخليّة عليه.
رهان “الحزب” على مسار التّفاهم الإيرانيّ
3 ـ بحسب ما يصغي إليه الدبلوماسيّون العرب من مسؤولي “الحزب”، فإنّ وجهة نظره مؤدّاها أنّ ضوابط صلبة تتحكّم بالتصعيد العسكريّ الإسرائيليّ، وهو يعزوها إلى استمرار سريان مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة، المعلنة في 17 حزيران الفائت، لا سيما منها البند الأوّل الذي يتحدّث عن وقف العمليّات العسكريّة، وخاصّة في لبنان. وهو بالفعل ما يكرّره يوميّاً تقريباً نوّاب “الحزب” وقياديّوه بتحدّثهم عن ضرورة الاستفادة والتعويل على “المسار الإيرانيّ”، المقصود به مذكّرة التفاهم مع الأميركيّين.
الحجّة القاطعة لدى “الحزب” في إبراز وجهة نظره هذه هي أنّ الأميركيّين لم يتخلّوا مرّة عن البند الأوّل ذاك ولا يزالون يتمسّكون به ويضغطون في سبيل نفاذه، وإن كانوا خرجوا من البند الخامس المتّصل بفتح مضيق هرمز وتسهيل العبور الآمن فيه بأن عاودوا الحصار عليه.
ليس أدلّ على استمرار سريان البند الأوّل في مذكّرة التفاهم، في حسبان “الحزب”، من توقّف الغارات الإسرائيليّة على بيروت وضاحيتها الجنوبيّة ووقف موجة اغتيال قادة “الحزب” ومسؤوليه. في المقابل ليس تواصل الاعتداءات الإسرائيليّة على الجنوب يوميّاً سوى الهامش الذي تتيحه الدولة العبريّة لنفسها للتحرّك خارج سياق مذكّرة التفاهم، بإعلانها يوماً بعد آخر عن أهداف عسكريّة مستهدفة في المنطقة الأمنيّة المحتلّة وخارجها جنوب نهر الليطاني وعند ضفاف شماله.
هامش التحرّك الحرّ هذا هو نفسه الذي تتيحه مذكّرة التفاهم للاشتباكات الأميركيّة الإيرانيّة وصداماتهما العسكريّة من حين إلى آخر، دونما انزلاقها إلى الفوضى على نحو اليوم الأوّل لحربهما في 28 شباط المنصرم. الأهميّة القصوى التي يوليها “الحزب” لاستمرار مذكّرة التفاهم وتحقّقه من ثباتها، وتالياً الضوابط التي ترعاها وتمنع مهاجمة العاصمة وضاحيتها والاغتيالات، أنّه بدوره يستجيب للبند الأوّل فيها كونه يعنيه مباشرة بالتزامه وقف النار وعدم انخراطه مجدّداً في الحرب مع إسرائيل. في حصيلة تقويمه أنّ كليهما، هو وإسرائيل، يلتزمان ذاك البند.
مساعٍ رسميّة لاحتواء التّصعيد
4 ـ ما يسمعه الدبلوماسيّون العرب من السلطات الرسميّة، التي تقرّ بالجمود الذي يطبّق على جولات التفاوض، أنّ الاتّصالات التي تجريها مع مَن تعتبرها الدول الضامنة، لا سيّما منها الأميركيّين، من أجل البقاء تحت الخطوط الحمر التي تمنع الانزلاق مجدّداً إلى التصعيد المتفلّت والفوضى. وقد عبّر رئيس الحكومة نوّاف سلام أخيراً عن هذا المنحى بتأكيده فحوى الاتّصالات والجهود تلك، على نحو يبقي بيروت والضاحية الجنوبيّة في منأى عن أيّ تصعيد عسكريّ عبر مظلّة حماية دوليّة لهما، في انتظار أن تملأ المرحلة الجديدة من المفاوضات لاحقاً الفراغ الحاليّ وتحول دون أيّ احتقان داخليّ. مؤشّرا المحاولة هذه هما: التواصل الدائم بين الرئيسين جوزف عون ونبيه برّي على أنّهما الكفيلان والضامنان الفعليّان لمنع أيّ تدهور داخليّ، أضف إلى ذلك البيان الذي أصدرته في 14 أيلول قيادتا حركة أمل و”الحزب” وفيه بصمات رئيس البرلمان، بتأكيدهما أنّ السلم الأهليّ خطّ أحمر ومسؤوليّة وطنيّة مشتركة، ورفض التحريض والفتنة.
“الحزب” يتمسّك بسلاحه ونفوذه الدّاخليّ
5 ـ بحسب ما لمسه الدبلوماسيّون العرب، ليست لدى “الحزب” أيّ قناعة بتخلّيه عن سلاحه أو إرغامه على تجريده منه، بل يقيم فيه اقتناع كامل بأنّ قرار حكومة سلام حصر السلاح في يد الدولة لن يبصر النور يوماً، على الأقلّ لن يتحقّق في مدى قريب.
سيكون من المتعذّر التخلّص من التنظيم العسكريّ لـ”الحزب” الذي لا ينفصل، وهنا تكمن أهميّته، عن تنظيمه الأمنيّ المغلق والفاعل الذي مكّنه من التغلغل في العقود الأخيرة في كلّ مفاصل الدولة اللبنانيّة. ما يعنيه السلاح لـ”الحزب” أنّه مصدر نفوذه في الدولة، ما يُفسّر بالنسبة إليه انتزاعه منه على أنّه إنهاء أيّ دور له في السلطات كما في توازن القوى الداخليّ.
نقولا ناصيف

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.