العراق بين مطرقة “الإطار” الإيراني وسندان واشنطن
بقلم حسن فحص
«أساس ميديا»
بينما تنشغل العواصم الكبرى برسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، يجد العراق نفسه مرّة أخرى في قلب “مختبر التسويات” الدوليّة والإقليميّة. لم يعد الصراع على اختيار رئيس الوزراء الجديد شأناً داخليّاً تحكمه التوازنات الطائفيّة أو السياسيّة التقليديّة، بل أصبح انعكاساً مباشراً لشدّ الحبال بين واشنطن وطهران، وساحة لاختبار مدى قدرة الأطراف المحليّة على الخروج من عنق الزجاجة.
تحوّل إعلان الهدنة أو وقف إطلاق النار المؤقّت بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران إلى ساحة لترتيب الأوراق الإقليميّة، من لبنان والخليج وصولاً إلى العراق، الذي بات مختبراً حقيقيّاً لتداخل النفوذ وصراع المصالح. يبرز هذا الصراع بوضوح في القدرة على فرض الإرادة ضمن العمليّة السياسيّة، لا سيما في ملفّ اختيار رئيس الوزراء الجديد الذي يمثّل السلطة التنفيذيّة وقائد القرار السياسيّ.
إنّ السباق بين واشنطن وطهران لا يقتصر على الساحة اللبنانيّة وصراعاتها بين منطق التفاوض الحكوميّ ومنطق المقاومة، بل يمتدّ بعمق إلى الساحة العراقيّة. لقد وضعت تغريدة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب حدّاً لطموحات نوري المالكي إلى العودة لولاية ثالثة، فدخلت القوى المحسوبة على المحور الإيرانيّ في أزمة البحث عن بديل توافقيّ بين قيادات “الإطار التنسيقيّ الشيعيّ”. يتزامن ذلك مع تسريبات عن موقف أميركيّ سلبيّ تجاه التجديد لمحمّد شيّاع السوداني.
توازنات القوى وسلاح الدّولار
تشير هذه التطوّرات إلى احتمال وجود تفاهم “أميركيّ – إيرانيّ” على التضحية بمرشّحي الطرفين من أجل مرشّح تسوية، على الرغم من الأجواء الإيجابيّة التي كانت تحيط بالسوداني سابقاً بوصفه “صديقاً لواشنطن”. يبدو أنّ الصراعات الداخليّة العراقيّة قد أبعدت البلاد عن دائرة التأثير في المفاوضات الكبرى، فتحوّل العراق من لاعب فاعل إلى “مختبر للتسويات”، فإمّا العبور إلى برّ الأمان باتّفاق شامل، أو الغرق في اضطرابات قد تطيح بالاستقرار في حال تفجّر حرب إقليميّة.
لم تكتفِ الإدارة الأميركيّة بالضغوط السياسيّة بشأن الفصائل المسلّحة، بل اتّجهت إلى استخدام الورقة الاقتصاديّة عبر وقف شحنات “الدولار” النقديّة التي تقدّر بـ500 مليون دولار شهريّاً. شكّل هذا الإجراء ضغطاً إضافيّاً على اقتصاد يعاني أصلاً من الفساد، وسوء إدارة الموارد، وتذبذب سعر الصرف الذي يثقل كاهل المواطن.
انقسام “الإطار” والسّباق مع الزّمن
في ظلّ هذه التعقيدات، يستمرّ الخلاف داخل “الإطار التنسيقيّ” على رئاسة الحكومة، وهي الحلقة الثالثة من الاستحقاقات الدستوريّة بعد انتخاب رئيسَي البرلمان والجمهوريّة. مع اقتراب نهاية المهلة الدستوريّة في 25 نيسان، يواجه “الإطار” خطر خرق المواعيد القانونيّة، تماماً كما حدث في أزمة انتخاب رئيس الجمهوريّة التي نتجت عن صراع القطبين الكرديَّين.
بات الانقسام داخل “الإطار” “عموديّاً”، عمّار الحكيم وقيس الخزعلي يقودان فريقاً يرفض عودة المالكي ويدفع باتّجاه السوداني أو بديل عنهما، بينما يتمسّك المالكي بتفويضه ويرفض التنازل إلّا إذا ملك حقّ تسمية البديل. تتوزّع الأصوات داخل “الإطار” كالتالي:
– فريق المالكي (6 أصوات): يضمّ همام حمودي، محسن المندلاوي، حزب الفضيلة، كتائب سيّد الشهداء، وحركة تصميم.
– الفريق المعارض (6 أصوات): يضمّ الحكيم، الخزعليّ، السودانيّ، هادي العامريّ، حيدر العباديّ، وأحمد الأسديّ.
أمام اشتراط الإجماع، طُرحت خيارات بديلة مثل “تصويت الثلثين” أو اللجوء إلى الكتلة البرلمانيّة (164 نائباً) التي يمتلك فيها تحالف الحكيم-الخزعلي-السوداني الأغلبيّة بواقع 118 نائباً مقابل 46 للمالكي. على الرغم من ذلك، نجح المالكي في إجهاض بعض الترشيحات، محذّراً من تحويل المناصب السياديّة إلى “دوائر تابعة للمكاتب الخاصّة”، فتضعف هيبة الدولة.
يداهم الوقت “الإطار التنسيقيّ”، فإمّا حسم الخيارات أو انتظار إشارات دوليّة تعيد تنظيم المشهد لإنقاذ العراق من أزمات معيشيّة تهدّد بالانفجار.
حسن فحص
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.