الأمن الغذائي ممسوك حاليا رغم الهشاشة الناتجة عن الحرب وبو نادر “للشرق” لا خوف على المخزون الغذائي طالما المرافئ مفتوحة والمصانع الغذائية مستمرة في الإنتاج
كتبت ريتا شمعون
العالم كله بسباق على كل شيء في لبنان، والأسعار آخذة في التحليق، والقدرة الشرائية عند المستهلك اللبناني تكاد تكون معدومة، والخطوات الحكومية في المقابل دائما ناقصة، يبقى السؤال ما هو مصدر غذائنا في هذه المرحلة من الحرب؟
برنامج الأغذية العالمي ( WFP) يتخوف من أزمة غذاء ويطلق تحذيرات شديدة اللهجة في أوائل شهر نيسان الجاري ، وذلك نتيجة الظروف الأمنية المستمرة وتأثيرها المباشر على سلاسل الإمداد، هذا التخوف لم ينشأ من فراغ فأصدرت إدارة مرفأ بيروت بتوجيهات من وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني قراراً بفتح أبواب المرفأ استثنائيا خلال عطلة أسبوع ( يومي السبت 11 نيسان والاثنين 13 نيسان 2026) من الشهر الجاري بدوام كامل للإفراج عن مئات الحاويات العالقة في المرفأ لمدّ الأسواق بالمواد تجنبا لأزمة غذائية .
في هذا الوقت يطمئن الوزير عامر البساط المواطنين بشأن الأمن الغذائي مؤكدا أنه لا يوجد أزمة غذاء، والاستيراد لم يتوقف، وهناك مئات المستودعات مملؤة بالمواد لذلك يصعب الاحتكار، متحدثا عن المناطق الحدودية ، حيث هناك أزمة بسبب التوترات الأمنية ، في حين يشير مؤشر أسعار الاستهلاك الى ارتفاع مستمر في الأسعار بنسبة 5 و6%.
وما بين تحذير برنامج الأغذية العالمي للبنان وتطمينات وزارة الاقتصاد هل هناك حصار غير معلن على لبنان أم هي أزمة مفتعلة لا مبرر لها؟
رئيس نقابة أصحاب الصناعات الغذائية اللبنانية رامز بو نادر، يؤكد في حديث خاص لجريدة ” الشرق” أن الغذاء في لبنان مؤمن ولم ينقطع يوما رغم الحرب وهلع المستهلكين في البداية، موضحا عند بداية الحرب سارع الناس لشراء مؤونة تكفيهم لمدة من الزمن، خوفا من انقطاعها وكانت رفوف السوبرماركت والمحلات تفرغ ويعاد ملؤها عدة مرات في اليوم الواحد، الى ان اطمأن المواطنون بشأن تواجد مخزون كاف من المواد الغذائية يساهم في تأمين أمنهم الغذائي، فتراجع الطلب الزائد وعادت الأمور الى طبيعتها.
وأضاف بو نادر، أن الصناعات الغذائية اللبنانية معروفة بجودتها العالية وتتمتع بقدرة إنتاجية كبيرة تكفي حاجة الأسواق اللبنانية والتي نجحت في الالتزام بالمواصفات والمعايير العالمية مما أّهّلها للتصدير الى مختلف دول العالم بما في ذلك أسواق الاتحاد الأوروبي وأميركا الشمالية وكندا وأستراليا والخليج العربي، حيث تدخل المنتجات اللبنانية اليها بشكل اعتيادي ويعود الفضل الأكبر لتميز الصناعات والمنتجات اللبنانية، وكذلك للمستهلكين اللبنانيين الذين أعطوها ثقتهم وهي بدورها سعت الى تأمين احتياجاتهم في عامي 2019- 2020 أي خلال ازمة انهيار العملة مرورا بجائحة كورونا، حتى يومنا هذا.
ويشير بو نادر، الى ان السلع المستوردة تعد أكثر كلفة وأقل توفرا في الأسواق اللبنانية، مما خلق فرصة كبيرة للنمو في قطاع الصناعة المحلية ، زاد انتاجها وزادت حصتها وجعلها بدائل منافسة بأسعارها مقارنة بالمنتجات المستوردة على رفوف المحلات والسوبرماركت فتنامت هذه الحصة من 10% في العام 2019 الى 45% في العام 2025ن مدفوعة بتنامي ثقة المستهلك اللبناني للمنتج المحلي، مضيفا: كلما كبرت حصة الصناعات الغذائية اللبنانية في الأسواق اللبنانية كلما اطمأن المواطن اللبناني على أمنه الغذائي خصوصا في الأزمات كالحرب القائمة حاليا داعيا المواطنين لإعطاء الأفضلية للمنتجات اللبنانية فبذلك ” يقونها ويقوون بها”.
وعن ارتفاع الأسعار، يقول بو نادر، لا أحد منا يرغب بارتفاع الأسعار ولا أحد يمكنه رفعها إذا لم تكن الظروف العامة الاقتصادية والجيوسياسية كونها المحرك الأساسي لارتفاع الأسعار، نحن في لبنان والعالم نعيش في مجتمعات تنافسية والأسعار تحددها المنافسة بين الشركات ورغبة المستهلك ( الطلب) بالتالي لكل سلعة يوجد بدائل لها، أما ارتفاع الأسعار اليوم هي نتيجة زيادة التكاليف التي لا يمكن تحاشيها خاصة عندما تكون ناتجة عن عوامل بنوية مثل ارتفاع المواد الأولية أو الطاقة أو عبء الضرائب والرسوم مما ينعكس مباشرة على التكلفة النهائية للمنتج التي اعتمدت عليها موازنة 2026 والتي شكلت مفاجأة للقطاعات الاقتصادية والصناعية في لبنان.
ومن ناحية أخرى يضيف بو نادر، أن هناك مجموعة من العوامل المتداخلة التي تدفع الأسعار الى الصعود، أبرزها تقلبات أسعار النفط ومشتقاته، زيادة كلفة التأمين والشحن التي تؤثر بالمباشر على أسعار المواد الأولية جمعيها وعلى كلفة الإنتاج وتشمل النقل إضافة الى ان المواد الغذائية كافة تحتاج الى مواد تغليف ( كالبلاستيك والزجاج والكرتون ) وكلها صناعات تعتمد بشكل أساسي على المحروقات فبعضها يصنع من المشتقات النفطية على سبيل المثال، البلاستيك ارتفع أسعاره بنسبة 20%، مشيرا الى أننا نعيش فترة حرب حرجة وصعبة ترفع معدلات التضخم وتعطل النمو الاقتصادي.
أما لماذا شمل الارتفاع المواد الأساسية لا سيما الحبوب، يشرح بو نادر، أن المواد الأساسية كالحبوب هي إنتاج زراعي وهذا الإنتاج يتأثر بطبيعة الحال بأسعار المحروقات ( المازوت) لتشغيل المعدات والآليات الزراعية ومولدات الكهرباء ومضخات المياه وأيضا هناك البذور ومواد التغليف والاسمدة والأجور والنقل غيرها، وكما ذكرنا أن لجم ارتفاع الأسعار يعتمد بشكل مباشر على ديناميكيات التنافس والكلفة.
ويؤكد ردا على سؤال، أن المصانع الغذائية مستمرة في الإنتاج وتصدير منتجاتها ذلك لسببين:
الأول: هو ان المرافئ البحرية والمعابر البرّية والجوية بقيت تعمل بشكل طبيعي خاصة ان الحكومة أوعزت وسعت الى تحقيق ذلك.
الثاني: هو ان القدرة الإنتاجية للمصانع اللبنانية كبيرة لدرجة أنه باستطاعتها أن تكفي احتياجات السوق المحلي وان تلبي أسواقها في الخارج.
ويشير في هذا السياق، الى أن الصادرات الغذائية اللبنانية تشكل 50% من حجم الإنتاج ، مؤكدا أن الصناعي اللبناني يسعى دائما الى تكبير حجم مبيعاته الى الخارج ” التصدير”، حيث يساهم في تقليص العجز في الميزان التجاري مما يتيح بخلق فرص عمل لأبنائنا كي يبقوا في بلدهم شاكراً المغتربين اللبنانيين لإعطائهم الأفضلية في شرائهم المنتج اللبناني.
وعن احتمال اقفال باب المندب في ظل الحرب الدائرة بين ايران وأميركا- إسرائيل يلفت بو نادر، أنه في العام 2024 أثرت الحرب في المنطقة بشكل كبير على باب المندب، وكانت آنذاك تسلك البواخر التي كانت تمرّ من هناك خطاً آخر عبر أفريقيا ولم ينقطع لبنان عن العالم ، مضيفا: زادت الكلفة ، ولكن لم يكن هناك انقطاع، فضلا عن الخطوط البحرية التي تربط أوروبا بشمال أفريقيا والشرق الأوسط وتصلنا بالعالم ، الأهم اليوم أن تبقى المرافئ اللبنانية مفتوحة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.