الكهرباء وأخواتها… النشيد الوطني اللبناني
بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
في مختلف أنحاء العالم، يبدأ الناس يومهم على أنغام النشيد الوطني لبلادهم، أمّا في لبنان، فقد نسينا نشيدنا الوطني، واستبدلناه بنشيد آخر ابتكرناه بأنفسنا، يُعزف صباحًا وظهرًا ومساءً، من دون حاجة إلى فرقة موسيقية أو قائد أوركسترا.
إنّه نشيد «فاتورة الكهرباء وأخواتها».
نرقص على إيقاعه، ونبكي ونضحك، لا حزنًا ولا فرحًا، بل وجعًا وقهرًا، مذبوحين من الألم.
نردّد كلمات هذا النشيد مع كلّ فاتورة للمولّد، ونواكب إيقاعه على وقع هدير محرّكات المازوت، فيما ندفع ثمنه من جيوبنا وأعصابنا.
وأينما اتّجهنا، يلاحقنا النشيد ذاته: فاتورة الكهرباء، وفاتورة المولّد، وكلفة المازوت والبنزين. فواتير وأعباء لا ترحم، تستنزف جيوبنا، وتنهك أعصابنا، ولا تترك لنا متنفّسًا.
فأصحاب المطاعم والسوبرماركت والمؤسسات الصغيرة، وكذلك المزارعون، يردّدون النشيد نفسه على وقع الارتفاع المتواصل في تكاليف الكهرباء وأخواتها.
أمّا المواطن، فلم يعد يعرف كيف يوفّق بين فاتورة المولّد، وفاتورة كهرباء الدولة، وأسعار الوقود، وسائر المصاريف اليومية التي تثقل كاهله، في دوّامة من الأعباء لا تنتهي.
ولا تقتصر أعباء «الكهرباء وأخواتها» على فواتير الكهرباء والمولّد والمازوت، بل تمتدّ إلى البنزين وكلفة التنقّل، في بلد يعاني مواطنوه أيضًا من غياب شبكة نقل عام فاعلة، ومن مشكلات تمسّ حقّهم في التنقّل بأمان وكرامة.
وفي بلد يفتقر إلى شبكة نقل عام تليق بمواطنيه، تتكرّر مشاهد التعدّي على حقوق الناس، وسط تساؤلات عن هيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون.
وقد أثار مقطع فيديو متداول موجة غضب، بعدما أظهر شخصًا يقتحم حافلة للنقل المشترك في منطقة الدورة، ويوجّه الشتائم والتهديدات إلى سائقها المسنّ أمام الركاب.
وهنا، لا بدّ من الإشادة بالمديرية العامة للأمن العام لتوقيف المعتدي الظاهر في المقطع.
كما تبرز تساؤلات حول اعتراض بعض أصحاب الباصات الخاصة على تشغيل باصات الدولة، وحول الجهات المسؤولة عن حماية العاملين في قطاع النقل العام والركاب من البلطجة والتهديدات وأعمال الترهيب، في ظلّ تزايد حاجة المواطنين إلى وسيلة نقل آمنة ومنتظمة، تتناسب كلفتها مع إمكاناتهم المعيشية.
أمّا في قطاع الكهرباء، فتتفاقم المشكلة مع تجاهل بعض أصحاب المولّدات الخاصة التسعيرة الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، بذريعة ارتفاع أسعار المازوت.
وإذا أردنا الإنصاف، فلا يمكن إنكار أنّ المولّدات الخاصة شكّلت لسنوات بديلًا فرضته الحاجة، لسدّ العجز في التغذية الكهربائية. فالمواطن لم يلجأ إليها ترفًا، بل اضطرّ إلى ذلك لضمان استمرار حياته اليومية ومصالحه العملية.
غير أنّ هذا الحلّ المؤقّت تحوّل إلى أزمة دائمة، وأصبح المواطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: دفع فواتير مرتفعة، أو تحمّل انقطاع الكهرباء وما يرافقه من تلف المواد الغذائية في براد العائلة، وحرمان أفرادها من استعمال المكيّف في أيّام الصيف الحارقة.
لكنّ أزمة الكهرباء ليست وليدة اليوم، ولا يمكن فهم واقعها من دون العودة إلى جذورها السياسية والمؤسساتية.
شكّل عام 2005 منعطفًا حاسمًا في مسار الأزمة، إذ انتقلت من مشكلة تقنية تفاقمت بفعل الأضرار التي خلّفتها الحرب الأهلية، إلى أزمة بنيوية ارتبطت بالشلل المؤسساتي والتجاذبات السياسية.
وأسهم هذا الواقع في تعطيل الإصلاحات، ولا سيّما تطبيق القانون رقم 462/2002، وتأخير تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، التي لم يُعلن عن تشكيلها إلا في أيلول 2025، بعد أكثر من عقدين على صدور القانون.
وبدلًا من الاستثمار في إنشاء معامل حديثة ومستدامة لإنتاج الطاقة، لجأت الحكومات اللبنانية إلى حلول مكلفة ومؤقّتة، أبرزها استئجار بواخر لتوليد الكهرباء، الأمر الذي فاقم الأعباء المالية على الدولة.
وقد شكّل قطاع الكهرباء أحد أبرز مصادر العجز المالي وتراكم الدين العام في لبنان، ورسّخ أزمة تعكس غياب التخطيط الاقتصادي وتغلّب المحاصصة على المصلحة العامة.
وهكذا، لم تعد المشكلة مجرّد نقص في الإنتاج، بل باتت مثالًا على خلل أعمق في إدارة المرافق العامة، حيث تتعطّل الإصلاحات، وتتراكم الأكلاف، ويدفع المواطن الثمن.
وفي ظلّ هذا الواقع، لا يزال ملفّ الكهرباء في لبنان يتخبّط بين السجالات السياسية والتعقيدات الإدارية والقضائية المتراكمة، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يدفع ثمن التقنين القاسي وارتفاع الفواتير من جيبه وأعصابه.
فالمرحلة الراهنة تفرض الانتقال من الكلام إلى الفعل، عبر إطلاق مشاريع إنقاذية جدّية، ووضع خطط واضحة ومستدامة، ومكافحة الهدر والفساد، ومعالجة مكامن الخلل التي أنهكت القطاع لسنوات طويلة.
ومن هنا تبرز أسئلة جوهرية: أين الرقابة والمحاسبة؟ ومن يضمن الالتزام بالتسعيرة الرسمية؟ وما دور وزارة الاقتصاد والتجارة، عبر مديرية حماية المستهلك، في ضبط المخالفات؟ ومن يحمي المواطن الذي قد يخشى تقديم شكوى خشية قطع اشتراكه أو تعرّضه للضغط؟
وتتداول الأوساط الشعبية أحاديث عن وجود مصالح متبادلة وعلاقات تربط بعض أصحاب المولّدات بجهات نافذة، وهو ما قد يفسّر استمرار هذا الواقع، رغم سنوات من الشكاوى والاعتراضات المطالبة بوضع حدّ له.
فإذا كانت الدولة تملك القوانين والوزارات وأجهزة الرقابة، فلماذا يعجز المواطن عن تحصيل حقّه، فيما يُطالَب بتسديد فواتيره من دون تأخير؟
لا شكّ في أنّ بعض أصحاب المولّدات يواجهون أعباءً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المازوت والصيانة والتشغيل.
غير أنّ هذه التكاليف تؤخذ في الاعتبار عند تحديد التسعيرة الرسمية من قبل وزارة الطاقة والمياه، ما يجعل الالتزام بها واجبًا، ويستوجب منع فرض رسوم إضافية غير مبرّرة.
الأولوية اليوم هي تطبيق التسعيرة الرسمية، والتدقيق في الفواتير والعدّادات، ومحاسبة المخالفين وفق القانون، ونشر نتائج الرقابة، وتسهيل تقديم الشكاوى ومتابعتها بجدّية، بعيدًا عن النفوذ والاستثناءات.
ولا تقع المسؤولية على الدولة وأصحاب المولّدات وحدهم؛ فالمواطنون معنيّون أيضًا بالانتقال من التذمّر إلى المطالبة بحقوقهم بالوسائل القانونية، وتوثيق المخالفات.
نريد دولة تطبّق القانون على الجميع، وتحمي الناس من الاستغلال، وتستعيد مسؤوليتها عن تأمين الكهرباء والنقل العام وسائر الخدمات الأساسية.
ونريد مواطنًا واعيًا لا يكتفي بالشكوى، بل يطالب بحقّه ويرفض أن تبقى المعاناة حكاية تتكرّر من دون تغيير.
وبعد هذه الجولة على أوجه المعاناة اليومية، لا بدّ من التوقّف عند خبر نأمل أن يحمل بارقة أمل.
فقد حملت زيارة رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إلى لبنان مؤشرات إيجابية بشأن معالجة أزمة الكهرباء، بالتوازي مع تقدّم المشاريع المشتركة بين البلدين، والاتفاق بين «قطر للطاقة» و«توتال إنرجيز» على تطوير محطة للطاقة الشمسية.
ويشكّل المشروع مدخلًا واعدًا لتنويع مصادر الإنتاج، علمًا أنّ تأمين التغذية على مدار الساعة يتطلّب نحو 2500 ميغاواط إضافية، واستثمارات تُقدّر بثلاثة مليارات دولار، وفقًا لتقديرات منشورة بشأن احتياجات القطاع.
وإذا تُرجمت هذه الخطوات إلى تنفيذ فعلي ضمن خطة واضحة وشفافة، فقد تسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين والمؤسسات، وتعزيز استقرار التغذية الكهربائية.
لكنّ نجاح أي مشروع لا يُقاس بالإعلانات والاتفاقات وحدها، بل بقدرته على الانتقال إلى التنفيذ، ضمن إدارة رشيدة ورقابة فعّالة تضمن استدامة الإنتاج وحماية المال العام.
ويظلّ مشروع الطاقة الشمسية جزءًا من مسار أوسع لإصلاح قطاع الكهرباء، ولا يغني وحده عن تطوير قدرات الإنتاج وشبكات النقل والتوزيع.
ولعلّ اليوم الذي تصبح فيه الكهرباء حقًّا متاحًا لكلّ مواطن، لا عبئًا يستنزف جيبه، يكون بداية الخروج من واحدة من أكثر الأزمات إنهاكًا للبنانيين.
عندها فقط، قد يستعيد النشيد الوطني مكانته في وطن يحترم مواطنيه ويصون كرامتهم.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.