فرنسا من أزمة المعيشة إلى أزمة الثقة بالدولة / 1
بقلم د. ابراهيم العرب
ليست الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا مجرد موجة عابرة من الغضب الشعبي، ولا يمكن اختزالها في أعمال شغب شهدتها باريس ومدن فرنسية أخرى، أو في تحركات طلابية بدأت داخل المدارس الثانوية ثم امتدت إلى الشارع. فما يجري يكشف عن أزمة اجتماعية أعمق، تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع الشعور باللامساواة، وتتقاطع فيها المطالب المعيشية مع الأسئلة المتعلقة بمستقبل التعليم، وعدالة الفرص، وحدود السلطة في التعامل مع المواطنين. ومن هنا، فإن فهم هذه الاحتجاجات يقتضي تجاوز مشاهد المواجهة بين المتظاهرين والشرطة، والبحث في الأسباب التي دفعت قطاعات واسعة من الفرنسيين إلى التعبير عن سخطها بهذه الطريقة.
أولاً: القدرة الشرائية وتآكل الشعور بالأمان الاجتماعي
يشكل تراجع القدرة الشرائية أحد أبرز المحركات الأساسية للاحتجاجات. فارتفاع أسعار الوقود والطاقة والخدمات والسلع الأساسية يضع شرائح اجتماعية واسعة أمام معادلة صعبة: كيف يمكن الحفاظ على مستوى معيشة مقبول في ظل ارتفاع النفقات وعدم نمو المداخيل بالوتيرة نفسها؟
ولا تتوقف المسألة عند الأرقام الاقتصادية، بل تتصل مباشرة بالشعور بالكرامة والاستقرار. فالمواطن الذي يعمل ولا يستطيع تأمين حاجاته الأساسية، أو الأسرة التي تجد نفسها مضطرة إلى تقليص نفقاتها التعليمية والصحية، لا تنظر إلى الأزمة باعتبارها خللاً مؤقتاً في السوق فحسب، بل بوصفها مؤشراً إلى اختلال أوسع في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
لقد أظهرت تجربة حركة «السترات الصفراء» عام 2018 أن السياسات الاقتصادية، حتى عندما تستند إلى اعتبارات مالية أو بيئية، قد تتحول إلى مصدر اضطراب حين يشعر المواطنون بأن أعباءها تقع بصورة غير متكافئة على الفئات الاجتماعية. فرفع تكاليف الوقود، على سبيل المثال، لا يحمل الأثر نفسه على سكان المدن الذين تتوافر لهم وسائل نقل متعددة، وعلى سكان الأطراف الذين يعتمدون على سياراتهم في التنقل إلى أماكن العمل. والمشكلة، في جوهرها، ليست في رفض الإصلاح، بل في السؤال عن عدالته الاجتماعية، وعن الجهة التي تتحمل تكلفته، وعن قدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر هشاشة خلال تنفيذه.
ثانياً: المدرسة الفرنسية واهتزاز مبدأ تكافؤ الفرص
اكتسبت الاحتجاجات الحالية بُعداً خاصاً مع انطلاقها من مدارس ثانوية في الضواحي، حيث عبّر الطلاب عن استيائهم من نقص المدرسين، وإلغاء الحصص، واكتظاظ الصفوف، وتردي بعض المباني والمرافق التعليمية. وقد تبدو هذه المطالب، للوهلة الأولى، مطالب قطاعية محدودة، لكنها في الحقيقة تمس إحدى الركائز التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية الحديثة: التعليم بوصفه أداة للارتقاء الاجتماعي وتحقيق المساواة بين المواطنين. فالمدرسة العامة ليست مجرد مؤسسة لتلقين المعارف، بل يفترض أن تكون المكان الذي يستطيع فيه الطالب، بصرف النظر عن وضع أسرته الاقتصادي أو المنطقة التي ينتمي إليها، أن يبني مستقبله على أساس قدراته واجتهاده. وعندما تتفاوت نوعية التعليم والموارد بين الأحياء الميسورة والمناطق الشعبية، يصبح مبدأ تكافؤ الفرص معرضاً للاهتزاز، وتتسع المسافة بين المساواة التي يعلنها القانون والواقع الذي يعيشه الطلاب.
وتزداد هذه المخاوف مع الضغوط التي يواجهها طلاب المرحلة الثانوية عند الانتقال إلى التعليم العالي. فمنصة «باركورسب» (Parcoursup)، المخصصة للتقدم إلى الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، أصبحت بالنسبة إلى عدد من الطلاب مصدراً للقلق، بسبب المنافسة على المقاعد وعدم اليقين الذي يرافق نتائج القبول والانتظار. فالمسألة لا تتعلق بالتكنولوجيا المستخدمة، بل بمدى شعور الطالب بأن مستقبله يتحدد وفق معايير واضحة وعادلة، وأن اجتهاده يتيح له فرصة حقيقية في الوصول إلى التخصص الذي يطمح إليه. ويضاف إلى ذلك ضغط الامتحانات، والاكتظاظ، وضعف التجهيزات، ومشكلات التدفئة والصيانة، فضلاً عن صعوبة التكيف مع موجات الحر في مبانٍ غير مجهزة بما يكفي.
يتبع غداً
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.