بين رماد السياسة وجمر الخدمات… المواطن وحده من يحترق

4

بقلم دافيد عيسى

بين تعقيدات الملفات السياسية وضغوط الحياة اليومية، يبقى السؤال الأهم: لماذا تقصر الدولة عن تأمين الكهرباء والمياه وغيرها من أبسط حقوق المواطن؟

لا شك أن الدولة تواجه ملفات سياسية شديدة التعقيد، تفوق قدرتها على المعالجة في الظروف الراهنة، وأن كثيرًا من الأزمات المتراكمة هو نتيجة سنوات طويلة من الصراعات والانقسامات والتدخلات الخارجية التي أثّرت في القرار الوطني وأعاقت قيام دولة قادرة على العمل بصورة طبيعية.

وهذه القضايا، مهما اختلفت الآراء حول أسبابها ومسؤولياتها، تحتاج إلى ظروف سياسية وتوافقات قد لا تكون متوافرة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان والمنطقة.

غير أن ذلك يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يجوز أن تتحول صعوبة حلّ الملفات السياسية الكبرى إلى مبرر لإهمال شؤون المواطنين؟ وهل يُعقل أن يبقى المواطن وحده من يدفع الثمن؟

حتى لو أعطينا الدولة أسبابًا تخفيفية في عجزها عن معالجة القضايا السياسية الكبرى، فإن ذلك لا يعفيها، بأي حال، من مسؤولياتها الأساسية تجاه أدنى حقوق المواطنين.

فالدولة التي تواجه صعوبة في حل أزمة سياسية معقدة، يُفترض، على الأقل، أن تكون قادرة على تأمين الكهرباء والمياه، وصيانة الطرقات، وتنظيم السير، ومعالجة فوضى الدراجات النارية، وتطبيق القوانين التي تحمي الناس في حياتهم اليومية.

والمفارقة أن الطبيعة نفسها قدّمت هذا العام ما عجزت الدولة عن تأمينه.

فقد شهد لبنان هطول أمطار غزيرة وفّرت كميات كبيرة من المياه، ومع ذلك لا تزال أزمة المياه مستمرة، وكأن وفرة الأمطار لم تغيّر شيئًا في واقع الإدارة المائية.

فأين أصبحت السدود التي كلّفت الخزينة مبالغ طائلة؟ وأين ذهبت الخطط والمشاريع التي وُعد اللبنانيون بأنها ستؤمّن مخزونًا مائيًا يحمي البلاد من أزمات الشح والجفاف؟

ليس من الطبيعي أن نشاهد يوميًا مئات الصهاريج تجوب الطرقات لبيع المياه للمواطنين، وكأن الحصول على المياه أصبح تجارة تُفرض على الناس ضغوط مالية اضافية، بدلًا من أن يكون حقًا أساسيًا تكفله الدولة.

فاللبناني الذي يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية خانقة، ويعاني تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، لم يعد يحتمل أعباءً جديدة تُضاف إلى معاناته.

إن أزمة المياه ليست مجرد خلل في خدمة عامة، بل هي نموذج واضح لغياب التخطيط، وضعف الإدارة، وانعدام المحاسبة.

ولا يختلف ملف الكهرباء كثيرًا عن ذلك، إذ أصبح واحدًا من أكثر الملفات إيلامًا للمواطن اللبناني.

فمن غير المقبول أن يبقى تأمين الطاقة أزمة مزمنة في بلد يمتلك من الطاقات والإمكانات ما يؤهله لإيجاد حلول مستدامة، فيما يضطر المواطن إلى دفع ثمن الكهرباء مرتين ، بين فاتورة الدولة واشتراك المولدات الخاصة، للحصول على حق هو من أبسط حقوقه.

أما على الطرقات، فالمشهد لا يقل قسوة.

فالفوضى المرورية، وانتشار الدراجات النارية من دون تنظيم ورقابة كافيين، أصبحا يشكلان خطرًا يوميًا على السائقين والمشاة، بل وعلى أصحاب هذه الدراجات أنفسهم.

والمشكلة ليست في وجود هذه الوسيلة، فهي مصدر رزق ووسيلة تنقل لآلاف المواطنين، وإنما في غياب الرقابة وتطبيق القوانين التي تضمن حماية الأرواح والأمن المروري للجميع.

إن تنظيم حركة الدراجات النارية، وفرض شروط السلامة، ومحاسبة كل من يعرّض حياة الآخرين للخطر، مسؤولية مباشرة تقع على عاتق الدولة وأجهزتها الأمنية والإدارية، ولا تحتاج إلى توافقات سياسية أو إلى انتظار حل جميع أزمات البلد.

ولا تقتصر مسؤولية الدولة على تنظيم حركة السير وملاحقة المخالفات، بل تمتد إلى حماية أرواح المواطنين من كل ما يهدد سلامتهم من حفر ومطبات على الطرقات.

ومن أبرز مظاهر الإهمال أيضًا، بعض الشاحنات التي تجوب الطرقات بسرعات عالية وهي محمّلة بمختلف أنواع البضائع، من دون الالتزام بشروط السلامة أو تأمين حمولتها بالشكل المطلوب.

فمشهد شاحنة محمّلة بمواد أو معدات غير مثبتة بإحكام يشكل خطرًا حقيقيًا على حياة المواطنين. وقد يؤدي أي خلل، أو سقوط جزء من الحمولة، أو وقوع حادث مفاجئ، إلى نتائج كارثية تطال السائقين والمشاة وسائر مستخدمي الطريق.

إن مراقبة هذه الشاحنات، والتأكد من سلامة حمولتها، وفرض الالتزام بقواعد السير والسلامة العامة، ليست إجراءات ثانوية، بل هي من صميم مسؤولية الدولة والقوى الأمنية في حماية الأرواح وصون السلامة العامة.

ومن المؤسف أيضًا أن يضطر المواطن إلى عبور أوتوسترادات سريعة وخطيرة سيرًا على الأقدام للانتقال من جهة إلى أخرى، معرضًا حياته وحياة الآخرين للخطر في كل لحظة.

إن إنشاء جسور مخصصة للمشاة في الأماكن التي تشهد حركة عبور كثيفة ليس مشروعًا ترفيهيًا ولا أمرًا ثانويًا، بل هو من أساسيات التخطيط المدني، وركيزة أساسية لحماية الأرواح.

فكما تهتم الدول بتنظيم الطرقات لخدمة حركة المركبات، ينبغي أن تتذكر أن الإنسان يبقى الغاية الأولى من أي تخطيط للطرق، وأن سلامته يجب أن تبقى في مقدمة الأولويات.

إن سقوط ضحية واحدة بسبب غياب جسر للمشاة، أو نتيجة سوء تنظيم السير، هو ثمن باهظ كان يمكن تجنبه بقرار مسؤول ومشروع واضح.

فهذه المشاريع لا تحتاج إلى توافقات سياسية معقدة، بل إلى رؤية تعتبر حياة الإنسان قيمة عليا لا يجوز الاستهانة بها.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الأزمات الكبرى وحدها، بل في شعور المواطن بأن الدولة غائبة عن التفاصيل اليومية التي تصنع جودة حياته.

فعندما يبحث اللبناني عن الكهرباء والمياه، ويسير على طرقات غير آمنة، ويشاهد المخالفات تُرتكب أمام عينيه من دون رادع، فإنه لا يشعر فقط بوجود أزمة خدمات، بل يشعر بغياب مفهوم الدولة نفسه.

إن بناء الدولة لا يبدأ بحل القضايا السياسية الكبرى فحسب، بل يبدأ أيضًا باحترام المواطن، وصون كرامته، وتأمين حقوقه الأساسية في حياته اليومية.

فالدولة القوية هي التي تطبق القانون بعدالة على الجميع، وتنظم الشارع، وتحمي الإنسان، وتؤمّن له مقومات العيش الكريم.

قد تكون هناك ملفات سياسية تحتاج إلى وقت طويل وحلول معقدة، لكن هناك ملفات أخرى لا تحتاج إلا إلى قرار واضح، وإرادة صادقة في التنفيذ، وإدارة مسؤولة تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.

في الختام ان الدولة التي تحضر في تفاصيل حياة الناس، وتحمي حقوقهم، وتؤدي واجباتها بعدالة وكفاءة، هي وحدها القادرة على كسب ثقة مواطنيها.

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.