ترامب… نابغة أم …؟
بقلم بديع يونس
«أساس ميديا»
تصريح جديد مثير للجدل أطلقه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بقوله: “سأعلن مضيق هرمز أرضاً وإقليماً تابعين للولايات المتّحدة”، وذلك خلال خطاب كان يلقيه أمام حشد من أنصاره وعناصر الشرطة في ولاية نيويورك. أكّد ترامب حينها أنّ البحريّة الأميركيّة “تفرض حصاراً كاملاً وسيطرة كاملة كجدار من فولاذ على المضيق، ولن تمرّ أيّ سفينة إلّا بموافقة واشنطن”. في الأعقاب، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤول في البيت الأبيض أنّ ترامب “كان يمزح ويضحك أثناء إلقاء هذه العبارة“.
التصريح المثير للجدل ليس الأوّل ولن يكون الأخير. تختلف آراء المحلّلين وعلماء النفس في تفسير شخصيّة الرئيس الأميركيّ. يراه البعض ذا سلوكيّات غير تقليديّة تدلّ على اضطراب عقليّ، بينما يراه آخرون “عبقريّاً سياسيّاً” يمتلك فهماً عميقاً للجماهير.
يتأرجح تقويم سلوك ترامب السياسيّ بين اعتباره تجسيداً لـ”نظرية الرجل المجنون”(Madman Theory) الصادمة، أو استراتيجية “شخصيّة نابغة” تعتمد على الغموض لانتزاع التنازلات، وهذا ما لُمس بشكل واضح في سياق الحرب مع إيران من خلال تكتيكات متعدّدة تجمع بين التصعيد العسكريّ العنيف والضغط الاقتصاديّ المطلق.
نظريّة “الرجل المجنون“
تتميّز هذه الشخصيّة باعتمادها على تكتيك “اللامتوقّع”، حيث يرى المحلّلون السياسيّون أنّ ترامب يطبّق نسخته الخاصّة من “نظريّة الرجل المجنون”. يعتمد “خلق الحيرة” وإظهار سلوكيّات حادّة وغير متوقّعة لإرباك الخصوم والحلفاء على حدّ سواء، فينال قوّة تفاوضيّة أكبر.
في المقابل، يراه الخصوم أنّه “مندفع وفوضويّ”، إذ يتّخذ قرارات سريعة ومفاجئة من دون الاستعانة بآراء الخبراء أو المؤسّسات، ويشخّصون إصابته بمرض “صعوبة التركيز”، بسبب تشتّت الأفكار والقفز بين المواضيع المختلفة في خطاباته وتغريداته. أضف إلى ذلك اتّهامه بـ”النرجسيّة المفرطة” بسبب إظهاره هوساً كبيراً بالولاء الشخصيّ وصورته العامّة، مع مبالغة مستمرّة في وصف إنجازاته.
لكنّ الرئيس الأميركيّ يمتلك فعليّاً “عقليّة الصفقات”، إذ ينظر إلى السياسة الخارجيّة والداخليّة كـ”مباراة صفريّة” أو “صفقة تجاريّة”: إمّا رابح أو خاسر، بعيداً عن الأيديولوجيّات أو الدبلوماسيّة التقليديّة.
في قراءة موضوعيّة للنتائج، بعيداً عن التوصيفات العشوائيّة، يمتلك الرئيس الأميركيّ ذكاءً اجتماعيّاً وخطابيّاً جعل من مناصريه عاشقين لشخصه، بعيداً عن الولاءات الحزبيّة الكلاسيكيّة التاريخيّة في الولايات المتّحدة.
من أبرز صفات شخصيّة ترامب:
– يتمتّع بـ”ذكاء تفاعليّ” هائل يمكّنه من قراءة الجماهير بدقّة وفهم مخاوف الطبقات العاملة. لديه قدرة فطريّة على قراءة مشاعر العمّال وإحباطاتهم والتحدّث بلغتهم.
– يتحدّث بلغة مباشرة وبسيطة تلامس العواطف وتكسر جمود السياسيّين التقليديّين، فيبدو “عبقريّاً” في حشد الملايين وبناء ولاء أعمى وسط مؤيّديه.
– نجح في تغيير قواعد السياسة الأميركيّة التقليديّة والسيطرة على الخطاب الإعلاميّ لمصلحته.
– يستخدم أسلوب الهجوم المستمرّ واللغة التبسيطية كأداة سياسيّة فعّالة لحشد المؤيّدين.
قد يبدو سلوك الرئيس ترامب “جنوناً” أو “تخبّطاً” للبعض، لكنّه في الحقيقة “أداة تكتيكيّة مدروسة” وسلوك نابع من بنية نفسيّة فريدة تعتمد على السيطرة والمواجهة لتحقيق المكاسب السياسيّة والشخصيّة.
في العلوم السياسيّة، تُوصف “نظريّة الرجل المجنون” بأنّها استراتيجية تعتمد على إقناع الخصوم بأنّه شخص غير متوقّع وجاهز لاتّخاذ قرارات متهوّرة، وهو ما يجبرهم على التراجع خوفاً من مواجهة غير محسوبة. بالتالي، ليست هذه التصرّفات جنوناً، بل تكتيك تفاوضيّ مدروس.
“مجنون” يتلاعب بالنّظام الإيرانيّ؟
يمكن تفكيك كيفيّة تلاعب الرئيس الأميركيّ بالخصم الإيرانيّ وإدارته للصراع عبر:
1 – تطبيق “نظريّة الرجل المجنون“:
يعتمد ترامب على إقناع خصومه بأنّه مستعدّ لاتّخاذ قرارات غير عقلانيّة أو مفرطة في القسوة (مثل تصريحاته الأخيرة بفرض السيادة الأميركيّة على مضيق هرمز أو تهديداته بضرب سلطنة عُمان إن عرقلت مساعيه). يدفع هذا السلوك الخصم إلى توخّي الحذر الشديد خشية ردّ غير متناسب، خصوصاً مع إبدائه استعداداً فعليّاً للتدمير وتنفيذ ضربات عسكريّة مدمّرة واستخدام القوّة العسكريّة القصوى إذا فشلت المفاوضات.
2 – مبدأ “الضغط الأقصى” والحصار الشامل:
يمزج ترامب بين العمل العسكريّ المباشر وخنق الاقتصاد الإيرانيّ عبر حصار بحريّ صارم على الموانئ الإيرانيّة ومضيق هرمز. الهدف هو حرمان طهران من عوائد النفط لإجبارها على التراجع تحت وطأة الانهيار الداخليّ.
3 – التّصعيد المفاجئ والتّهدئة المشروطة:
يتبع ترامب نمطاً متقلّباً: يشنّ ضربات موجعة (مثل استهداف قيادات عليا ومواقع استراتيجيّة بالتنسيق مع إسرائيل)، ثمّ يعلن فجأة هدناً مؤقّتة أو يعرض التفاوض المباشر (مثل مذكّرة التفاهم التي دامت 60 يوماً وانتهت أخيراً من دون اتّفاق). يحرم هذا التذبذب القيادة الإيرانيّة من بناء استراتيجية دفاعيّة طويلة الأجل وثابتة.
4 – مطالبة الخصم بالاستسلام العلنيّ:
بعد انتهاء مهلة المفاوضات الأخيرة ورفضه تمديد الهدنة، مارس ترامب حرباً نفسيّة مباشرة بمطالبة إيران برفع “راية الاستسلام البيضاء” والقبول بالشروط الأميركيّة الصارمة لمنعها من حيازة السلاح النوويّ.
5– الضّربات الاستباقيّة لبيئة الخصم الإقليميّة:
يتلاعب بالملفّ عبر الضغط على حلفاء إيران الإقليميّين ومهاجمة خطوط إمدادهم، مع توجيه رسائل حازمة للدول الوسيطة لمنع تقديم أيّ طوق نجاة دبلوماسيّ أو اقتصاديّ لطهران.
“مجنون” يدير الحرب؟
يطيب للإيرانيّين وحلفائهم وصفه بـ”المجنون”. أمّا في الواقع فيبدو أنّ ترامب يتلاعب بهم وفق استراتيجيته المدروسة لإدارة المعركة لمصلحة بلاده. يتعمّد إرسال إشارات متناقضة (مثل التهديد بتدمير شامل ثمّ دعوة القادة للحوار بدون شروط مسبقة) ليربك حسابات الخصم. ويفرض عقوبات اقتصاديّة خانقة ويحشد القوّات العسكريّة ليفقد الخصم توازنه، ثمّ يعرض التفاوض من موقع قوّة.
دأب الرئيس الأميركيّ منذ ولايته الأولى على تخطّي الخطوط الحمر فجأة باتّخاذه قرارات صادمة ومفاجئة (مثل اغتيال قاسم سليماني في عام 2020 أو الانسحاب من الاتّفاق النوويّ) لإثبات أنّه مستعدّ لتنفيذ تهديداته.
كيف يؤثّر ذلك على الخصم عسكريّاً؟
* يعتمد على الضربات الخاطفة والمحدّدة بدلاً من الغزو البرّيّ الكامل، فيشلّ حركة الخصم دون التورّط في “حروب أبديّة”.
* يعمد إلى استنزاف أذرع إيران: تجميد الأموال وحصار الصادرات يمنعان إيران من تمويل ميليشياتها في المنطقة.
* يجبر إيران على البقاء في حالة استنفار دائم، فينهك قدراتها اللوجستيّة والعسكريّة.
كيف تؤثّر شخصيّة ترامب اقتصاديّاً؟
– أيّ تصعيد في منطقة الخليج العربيّ أو مضيق هرمز يرفع أسعار النفط عالميّاً بشكل مفاجئ بسبب مخاوف إمدادات الطاقة.
– فرض عقوبات ثانويّة على الدول التي تتعامل مع خصومه يُجبر الشركات العالميّة على الاختيار بين السوق الأميركيّة أو خسارة استثماراتها.
– التهديدات المستمرّة عبر التصريحات تؤدّي إلى تقلّبات في البورصات العالميّة، فتلجأ الرساميل إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار.
ليس ترامب فوضويّاً ولا يفتقر إلى استراتيجية. يمكن الموافقة على استراتيجيته أو معارضتها، لكنّ وصفه بـ”الرجل المجنون والعشوائيّ” تبسيط ساذج لأقوى رجل في العالم اليوم، على رأس أكبر دولة قادت العالم أحاديّاً منذ سقوط الاتّحاد السوفيتيّ.
لا يمكن قراءة هذا الرجل وفق معايير السياسيّين الكلاسيكيّة. يترتّب على كلّ دولة متضرّرة من سياساته فهمه وفهم مدرسته قبل بناء استراتيجية مضادّة لتحقيق مكاسب، لكنّه بنظر كثيرين “نابغة تجاريّة وسياسيّة” يدير الصراعات الدوليّة بعقليّة “عقد الصفقات”. يرفع السقف إلى حدّه الأقصى لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات لم يكن ليقدّمها في الظروف الدبلوماسيّة التقليديّة.
بديع يونس
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.