جوزاف عون… حارس السلم الأهلي في زمن الانقسامات
بقلم دافيد عيسى
ليس دفاعًا عن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بقدر ما هو التزامٌ بإنصاف الحقيقة وإعطاء كل ذي حقٍ حقه، بعيدًا عن الظلم.
فالأمانة تقتضي أن تُروى الوقائع كما هي، وأن تُقوَّم المواقف بميزان الموضوعية والعدالة، لا بمنطق الانفعال أو الاصطفاف السياسي.
إنّ الحملات السياسية والإعلامية التي يشهدها لبنان، وما يرافقها من مواقف ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتسم في كثير من الأحيان بقدرٍ كبير من التجنّي وعدم الإنصاف بحقّ رئيس الجمهورية، إذ يغفل أصحابها طبيعة المرحلة الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، بما تحمله من تحديات عسكرية واقتصادية ومالية غير مسبوقة، فضلًا عن الأعباء الثقيلة الناجمة عن وجود ما يقارب مليون نازح خارج مدنهم وقراهم.
وفي ظل هذه الظروف الدقيقة، تقتضي المسؤولية الوطنية مقاربة القضايا المصيرية بعقلانية وموضوعية، بعيدًا عن المزايدات السياسية والخطابات الشعبوية التي لا تسهم في معالجة الأزمات أو إيجاد حلول لها.
يتولى الرئيس جوزاف عون مسؤولية قيادة الدولة في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث؛ دولة يرزح اقتصادها تحت انهيار غير مسبوق، ويعصف بها انقسام سياسي عميق، وتتعرض لاعتداءات وقصف يومي يطال جنوبها، فضلًا عن ضغوط إقليمية ودولية متشابكة، وتحديات أمنية تهدد استقرارها ووحدة مؤسساتها.
وفي خضم هذه الظروف المعقدة، يغدو كل قرار يُتخذ محاطًا بتحديات جسيمة، تتشابك فيه الاعتبارات السياسية والحساسيات الطائفية الداخلية، إلى جانب تأثيرات التوازنات الإقليمية والدولية.
ولعل ما يغيب عن أذهان بعض اللبنانيين، أن العماد جوزاف عون لم يتسلّم رئاسة الجمهورية في دولة مستقرة تتمتع بمؤسسات فاعلة واقتصاد مزدهر، بل تولّى المسؤولية في لبنان وهو يرزح تحت وطأة تداعيات الحروب والأزمات المتلاحقة، ويعاني انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، وانقسامًا سياسيًا حادًا، وتعطيلًا طال مؤسسات الدولة لسنوات، ما جعل حجم التحديات التي تواجه العهد استثنائيًا بكل المقاييس.
من هنا، فإن الحكم في لبنان يُدار بميزان دقيق يوازن بين الممكن والواجب، وبين حماية السيادة وتجنيب اللبنانيين حربًا جديدة.
ومن السهل إطلاق الأحكام من خارج دائرة المسؤولية، أما من يحمل بين يديه كرة النار ويتحمل أمانة القرار فهو وحده من يدرك حجم المخاطر المترتبة على كل خطوة، والكلفة التي قد يدفعها الوطن إن أُسيء تقديرها.
إن تنفيذ التفاهمات والاتفاقات الرامية إلى تثبيت الاستقرار، والعمل على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ليست ملفات تُدار بمنطق الخطابات الشعبوية، بل مسؤوليات تاريخية ترتبط مباشرة بمستقبل الوطن وسلامة أبنائه.
ومن السهل اتهام رئيس الجمهورية بالتنازل، وإطلاق المواقف من خلف المنابر والشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، لكن الأصعب هو تقديم بدائل عملية قابلة للتنفيذ، تحمي لبنان من الانزلاق إلى مواجهة جديدة، وتحافظ في الوقت نفسه على سيادة الدولة وكرامة مواطنيها.
إن جانبًا كبيرًا من السجال الدائر اليوم لا يتمحور حول شخص رئيس الجمهورية بقدر ما يعكس انقسامًا عميقًا في النظرة إلى مفهوم الدولة ودورها وحدود سلطتها.
فهناك من يرى أن لا استقرار حقيقي إلا بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، باعتباره المدخل الطبيعي لبناء دولة القانون، فيما ترى قوى أخرى أن هذا الطرح يمس بخياراتها السياسية والإقليمية، فتتعامل مع كل خطوة في هذا الاتجاه على أنها استهداف لها، لا مشروعًا وطنيًا جامعًا.
إن المسؤولية تختلف جذريًا عن التنظير، وإن القرار الذي يتخذه من يجلس في موقع الرئاسة الأولى لا تُقاس أبعاده بما يُكتب على مواقع التواصل الاجتماعي أو يُقال في مقابلة على المواقع الاخبارية، بل بما يترتب عليه من أمن واستقرار وحياة لملايين اللبنانيين.
إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى صناعة خصومات جديدة داخل مؤسساته الدستورية، بقدر ما يحتاج إلى ترسيخ منطق الدولة، وتعزيز مؤسساتها، وإسنادها في ممارسة صلاحياتها الدستورية.
وفي هذا السياق، تكتسب المواقف التي أعلنها رئيس الجمهورية خلال استقباله وفد الهيئات الاقتصادية برئاسة الوزير السابق محمد شقير أهمية خاصة، إذ جدّد تأكيده التمسك بكل ما يصون سيادة لبنان ويحفظ مصلحته العليا، ويؤمّن استقراره في هذه المرحلة الدقيقة.
وقد جاء موقف الهيئات الاقتصادية داعمًا لهذا التوجه، فأعلنت وقوفها إلى جانب رئيس الجمهورية في جهوده الرامية إلى بناء الدولة وترسيخ سيادتها الكاملة على جميع أراضيها، مؤكدة في الوقت ذاته أن النهوض الاقتصادي لا ينفصل عن الاستقرار السياسي والأمني، وأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تمثل ركيزة أساسية لإعادة لبنان إلى مسار النمو والازدهار.
وهنا لا بد من التذكير بأن الدستور اللبناني، بموجب المادة (49)، يكرّس رئيس الجمهورية رئيسًا للدولة ورمزًا لوحدة الوطن، وهو ما دفع المشرّع إلى إحاطة هذا المقام الدستوري بحماية جزائية خاصة.
وانطلاقًا من ذلك، جرّم قانون العقوبات أفعال القدح والذم والتحقير والإساءة الموجّهة إلى رئيس الجمهورية، ورتّب عليها عقوبات تتراوح بين الحبس من ستة أشهر وسنتين، تأكيدًا على أن الحماية مقررة لمقام رئاسة الجمهورية وهيبة الدولة، لا لشخص الرئيس فحسب.
لذلك، فهذا المقال هو للدفاع عن فكرة أن من يتحمل مسؤولية الدولة يواجه وقائع لا شعارات، وقرارات لا أمنيات، وأن الحكم في زمن الأزمات يُقاس بقدرته على تجنيب الوطن الكوارث وصون الدولة، لا بقدرته على إرضاء جميع الأطراف.
فالتاريخ لا يخلّد الرؤساء لأنهم أرضوا الجميع، بل لأنه شهد لهم بأنهم صانوا الدولة في أحلك الظروف، وقدّموا المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية والاصطفافات السياسية الضيقة.
فالتصفيق عابر، أما المواقف التي تحفظ الأوطان فتبقى شاهدة في صفحات التاريخ.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.