«عنزة» ولو طارت
تعتبر الحكمة السياسية جوهر إدارة الدول والمجتمعات، وهي الأداة الأهم لتجنّب الخسائر البشرية والمادية. ولا ينكرنّ أحد أنّ الحكمة تتفوّق على القتال في العمل السياسي، والأسباب كثيرة أهمها: أولاً: تجاوز الأزمات بأقل الخسائر:
تتطلب إدارة الدول حكمة سياسية تفوق القدرة العسكرية حيث تهدف الى تسيير شؤون الحكم وحلّ القضايا العالقة والشائكة وحماية الأرواح، خاصة في أوقات الأزمات والتعقيدات الدولية. ثانياً: صناعة المكاسب والتوازنات: تُعرف السياسة بالحكمة، وهي فن وضع الأمور في نصابها الصحيح. وعلى مرّ التاريخ، أثبتت الديبلوماسية والحوار تفوقهما في انتزاع الاعتراف الديبلوماسي، وتأمين التحالفات. كما تجلّى في صلح الحديبية الذي حقق مكاسب استراتيجية دون خوض معارك. وكما تجلّى في موقف الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، حيث اتخذ قرار السلام، فسافر الى القدس وألقى كلمته أمام الكنيست، فاستعاد كل شبر من الأرض المصرية. ثالثاً: الشرعية والثقة الشعبية: تستمد الدول قوتها من الثقة الشعبية والرضا العام. فالسياسة العاقلة هي التي تحمي حريات الناس وكرامتهم، وتلبّي مصالحهم عبر السياسات العامة بدلاً من اللجوء الى العنف. وهنا أجدني مثمناً موقفي رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة الدكتور نواف سلام. فهما أدركا بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ الحكمة في ما نعانيه في لبنان، أهم وأفضل لنا، وهي الطريقة المثلى لتحقيق ما نصبو إليه بعد معاناة طويلة، دفع اللبنانيون خلالها أثماناً باهظة: بشرية ومادية. ولا بدّ لي من التذكير بما قاله أبو الطيّب المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان/ هو أوّل وهي المحل الثاني
رابعاً: القتال وسيلة لا غاية: ففي حالات الدفاع عن النفس أو الحروب، يظل القتال وسيلة موقتة لتحقيق السلام، بينما تظل الحكمة هي الأساس في تقييم الواقع وبناء المستقبل.
خامساً: بالعودة الى ما يجري في لبنان، فإني رأيت قتالاً عبثياً… خسائر بالجملة والمفرّق… أزمات معيشية واقتصادية بلا حساب.. والسبب بالتأكيد هو التركيز على القتال والعنف.
ألا تلاحظون معي ما حدث من دمار وتهجير الملايين وإضاعة الفرص. فالمشكلة عندنا هي مشكلة من حوّل الوطن الى شركات خاصة، وفهم بعض الفئات وتمسكها بالحكم والتحكم برقاب اللبنانيين، كل اللبنانيين، وجعل المستقبل مظلماً، والحاضر ضنكاً. فلا هؤلاء يفهمون التاريخ كما ينبغي، ولا هم يخططون لفهم الحاضر كما يجب، ولا هم كذلك مستعدون لمفاجآت المستقبل كما يفعل الحكماء. لدينا فئات، أغرتهم السلطة الآنية فضالوا حتى النخاع، وهم بالتالي يحتاجون الى تغيير جذري في مواقفهم وتطلعاتهم وعنادهم ومكابرتهم، بل هم يحتاجون الى ثورة شاملة في تفكيرهم. كما فعل الصينيون في مقتبل نهضتهم، لأنهم قرروا حتمية تغيير أفكارهم، فقرروا حتمية التغيير، فدخلوا قرن التحدي بفكر حُرّ ورؤية جديدة، وتمّ تجاوز أصحاب العقول المريضة. وها هم اليوم يخططون للدخول في عهد جدد، عهد الإزاحة والمنافسة في القيادة الكونية. فأن تكون قائداً… لا يعني أنت حكيم… وأن تكون حكيماً، لا يعني أن تكون قائداً… فقد يكون السياسي أو القائد متهوّراً، وأن تكون سياسياً لا يعني أنت قائد… وأن تكون قائداً لا يعني أن تكون حكيماً. فالعالم الديني قائد والمفكر قائد، والداعية قائد.. ولكن للقيادة مفاهيم ومعايير.. والأهم من ذلك كله، أن تكون قائداً لا يعني أبداً أنك فاهم. من هنا تجد المكابرة والمغالاة سيدة الموقف خلال الممارسات. فمن أفضل أنواع الفهم أن تفهم الأمور على حقيقتها وأن تفهم قدراتك، فلا تبالغ بها ولا تتهوّر، ولا تُغالي في تهميش الآخرين، فالعدو يتفوّق عليك تكنولوجياً ومهارة… وإن كان يختلف عنك بالإرادة والإيمان… لكنّ العصر اليوم هو عصر العلم، أليْس هذا ما قاله شهيد فلسطين السيّد حسن نصرالله: «ان العدو الاسرائيلي يتفوّق علينا تكنولوجياً، فقد تمكّن منا بعلمه فحوّل بلادنا الى أتون حرب، سيطر عليها بتقدمه التكنولوجي، فرحنا نتخبّط يميناً ويساراً… حتى باتت أرضنا محلّ تجارب، ففقدنا الأهل والأحبّة والمال… وبتنا ريشة في مهب الريح». أعتقد حازماً… ومن دون مواربة… ان ما قام به رئيسا الجمهورية والحكومة من خلال مفاوضات واشنطن هو الصواب بعينه… انها الوسيلة الوحيدة لإنقاذ لبنان واللبنانيين. الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفهّم لبنان جيداً، وأحب هذا اللبنان بصدق، فلننتهز هذه الفرصة، كي نستفيد منها ونستغلها تماماً. الفُرص قد لا تعود دائماً… فلنكن حذرين، ولنترك الصلف والغرور والمكابرة… فالوطن اليوم يحتاج الى حكمة رائدة، لا سياسات متهوّرة مبنية على العناد… ومبدأ «عنزة ولو طارت».
علي معروف
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.