حديث الجمعة – الانتظام العام

4

المهندس بسام برغوت

الانتظام العام: قيمة أخلاقية وحضارية وأساس لاستقرار المؤسسات والمجتمعات، وهو الالتزام بالقواعد والأنظمة التي تنظّم شؤون الحياة، بما يضمن سير الأعمال بصورة منظّمة ومستقرة، ويحفظ الحقوق، ويمنع الفوضى والتعدّي على حقوق الآخرين.

إن النظام قيمة أخلاقية وحضارية، تتصل بالأمانة والعدل والوفاء بالعهد، وتقوم على احترام الوقت والحقوق والمسؤوليات، فإذا غاب النظام، ضاعت الحقوق والجهود، وتحولت المؤسسات إلى أجساد بلا روح، والمجتمعات إلى جماعات متنازعة، وأصبحت الفوضى خطرًا يهدّد الأسرة والمجتمع والدولة.

إن النظام لا يعني التضييق على الناس أو إلغاء حريتهم، بل يعني أن تكون الحرية مسؤولة، وأن تُحترم الحقوق، وأن يعرف كل إنسان واجبه وحدود مسؤوليته. فحريتك لا تمنحك الحق في تعطيل حياة الآخرين، وراحتك لا تبرّر إهدار أوقاتهم، ومصلحتك الشخصية لا تبيح لك تجاوز النظام على حساب المصلحة العامة.

تأملوا قصة نبي الله يوسف عليه السلام، حين واجهت مصر أزمة اقتصادية ومجاعة متوقعة. فلم يكتفِ بتفسير الرؤيا، ولم يترك الأمور للارتجال، بل وضع خطة واضحة تقوم على الإنتاج والتخزين وحسن إدارة الموارد، ثم طلب تولّي المسؤولية لما يمتلكه من كفاءة وأمانة.

قال تعالى على لسانه: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف].

تأملوا هاتين الكلمتين: حفيظ عليم؛ أمانة تحفظ الموارد، وعلم يحسن إدارتها.

فالمسؤولية ليست لقبًا يُعلّق على الأبواب، ولا منصبًا يتباهى به صاحبه، بل هي أمانة وكفاءة وتخطيط وقدرة على مواجهة الأزمات.

وهنا درس بالغ الأهمية لمجتمعاتنا ومؤسساتنا: لا يكفي أن نتحرك بعد وقوع الأزمة، بل علينا أن نستعد قبلها.

كم من مؤسسة تمتلك الإمكانات، لكنها تتعثر بسبب غياب التخطيط؟ وكم من مشروع يفشل، لا لأن موارده قليلة، بل لأن مسؤولياته غير واضحة، وقراراته مرتجلة، وأعماله متروكة للمزاج الشخصي؟

إن الأمانة وحدها لا تغني عن الكفاءة، كما أن الكفاءة إذا خلت من الأمانة أصبحت خطرًا. والنهضة الحقيقية تحتاج إلى الاثنين معًا.

وفي قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح، نرى معنى آخر من معاني الانتظام العام، كقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [سورة الكهف].

لقد كان الجدار على وشك السقوط، فأُقيم قبل انهياره. وفي ذلك تذكير بأهمية معالجة الخلل قبل أن يتفاقم، وبأن حسن التدبير لا ينتظر وقوع الكارثة حتى يتحرك.

فالعاقل لا ينتظر انهيار المؤسسة حتى يبحث عن أسباب الخلل، ولا ينتظر تفكك الأسرة حتى يسعى إلى معالجة الخلاف، ولا ينتظر وقوع الحادث حتى يدرك أهمية الالتزام بقواعد السلامة.

إن معالجة الخلل في بدايته حكمة، أما تركه حتى يستفحل، ثم البكاء على النتائج، فليس من حسن التدبير.

من أخطر ما يصيب المجتمعات أن تتحول مخالفة النظام إلى سلوك يُمدح صاحبه عليه، وأن يصبح الملتزم بالقانون موضع سخرية، بينما يُنظر إلى من يتجاوزه على أنه أذكى من غيره.

فلا قيمة لنظام يُطبَّق على الضعفاء ويُعطَّل أمام أصحاب النفوذ، ولا معنى للانضباط إذا كان الموظف البسيط يُحاسب على تأخّره، بينما يُعفى صاحب المسؤولية من المحاسبة.

إن النظام العادل يبدأ من الأعلى قبل الأسفل، ومن المسؤول قبل الموظف، ومن القدوة قبل أن يطالب الآخرين بالاقتداء به. فالمسؤول الذي يطالب الناس باحترام المواعيد، ثم لا يحترمها بنفسه، والذي يدعو إلى الالتزام بالقانون، ثم يستثني نفسه منه، لا يبني مؤسسة منضبطة، بل يرسّخ ثقافة التمييز والتسيّب.

لا يتحقق الانتظام العام في المؤسسات بمجرد وجود الأنظمة واللوائح، بل بتطبيقها بعدالة، واحترام الصلاحيات، ووضوح المسؤوليات، وانتظام الاجتماعات والأعمال، ومعالجة الخلافات وفق الأصول القانونية والإدارية، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية.

فالمؤسسة القوية ليست التي تخلو من الخلافات، بل التي تحسن إدارتها، وتمنعها من تعطيل العمل أو الإضرار بحقوق الناس، وتحافظ على استمراريتها وهيبتها في إطار القانون، فيفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات، ويتراجع احترامهم للقانون، ويشعر الملتزم بأنه مغفّل، والمجتهد بأنه لا يُكافأ، وصاحب الأمانة بأنه يتحمل أعباء غيره.

وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا تعود المشكلة مجرد مخالفة إدارية أو خلل تنظيمي، بل تصبح أزمة ثقة وأخلاق ومسؤولية، يصعب علاجها ما لم تتغير الثقافة التي أنتجتها.

لا يبدأ الإصلاح الحقيقي بالشعارات الكبيرة، بل بخطوات صغيرة تتكرر حتى تصبح سلوكًا راسخًا.

يبدأ من البيت، حين نعلّم أبناءنا احترام الوقت، وترتيب أغراضهم، والوفاء بوعودهم، والمشاركة في المسؤوليات.

ويبدأ من المدرسة، حين نربّي الطالب على أن النظام ليس عقوبة، بل وسيلة لحماية حقه وحق زملائه، وأن احترام المعلم والمكان والمواعيد جزء من بناء الشخصية.

ويبدأ من المسجد والمؤسسة الدينية، حين نربط القيم الإيمانية بالسلوك اليومي، فلا يكون التدين مظهرًا منفصلًا عن الأمانة والنظافة واحترام الحقوق.

ويبدأ من الدولة، حين يُطبَّق القانون على الجميع دون تمييز، وتُصان حقوق الناس، ويشعر المواطن بأن التزامه لا يجعله الحلقة الأضعف، بل يحميه ويحفظ كرامته.

فالمجتمع المنضبط لا يُبنى بالخوف وحده، بل بالوعي والتربية والعدالة والقدوة الحسنة، وبإدراك كل فرد أن التزامه ليس خدمة لنفسه فحسب، بل مساهمة في حماية المجتمع بأسره.

ختاما، إن المؤسسات لا تنهض بكثرة الأنظمة المكتوبة، بل بوجود أشخاص يحترمونها، ومسؤولين يطبّقونها بعدالة، وقيادات تقدّم القدوة قبل المطالبة بالالتزام.

فحيث يوجد النظام العادل، تُصان الحقوق، وتُحفظ الأمانات، وتُبنى الثقة، وتستقيم المؤسسات، ويصبح الإصلاح واقعًا ملموسًا، لا مجرد شعار يُرفع ثم يُنسى.

المهندس بسام برغوت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.