لإنقاذ دار الفتوى وصون هيبتها واستعادة الثقة بمؤسساتها

5

كتب عوني الكعكي:

نتوجّه إليكم بهذا النداء من موقع الحرص على مقام مفتي الجمهورية اللبنانية، ومكانة دار الفتوى، ووحدة الطائفة السنية، واحترام الدولة والقانون، في مرحلة دقيقة لم يعد جائزًا فيها ترك الأزمة تتفاقم أو الاكتفاء بمواقف متباينة، فيما تتعرض إحدى أهم المرجعيات الدينية والوطنية في لبنان لاختبار يمسّ الثقة بمؤسساتها واستقرارها وهيبتها.

إنّ ما تشهده دار الفتوى اليوم ليس خلافًا عابرًا أو مسألة إجرائية يمكن تجاوزها بالصمت أو التأجيل، بل أزمة تستدعي وقفة ضمير ومسؤولية، ومراجعة هادئة وشجاعة، تضع مصلحة المؤسسة فوق كل اعتبار، وتمنع تحوّل الخلاف القانوني إلى انقسام داخلي ينعكس سلبًا على الطائفة وموقعها الوطني.

أولًا: جلسة 9 أيلول 2023… وقائع تستوجب التوضيح والمراجعة

في يوم السبت 9 أيلول 2023، انعقدت جلسة للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في دار الفتوى، برئاسة سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، في غياب نائبه الوزير عمر مسقاوي، وعدد من المعنيين، من بينهم رئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي وعدد من رؤساء الحكومات السابقين، إلى جانب أعضاء آخرين من المجلس.

وكانت تلك الجلسة الأخيرة للمجلس المنتخب لولاية 2019–2023. وقد أُثير خلالها بند رفع سنّ التقاعد من 72 إلى 76 عامًا، وهو بند قيل إنّه أُدرج خارج جدول الأعمال، رغم اعتراض سماحة المفتي، وفق ما ورد بشأن مجريات الجلسة، وإصرار الأعضاء الحاضرين على المضي في مناقشته وإقراره.

والأخطر، وفق المعطيات التي أُثيرت بشأن تلك الجلسة، أنّ التعديل المتصل بالمرسوم رقم 18/1955 طُرح من دون أن يكون قد سُبق، بحسب ما قيل، باستكمال الأصول التشريعية والإجرائية اللازمة؛ إذ أُثيرت مسألة عدم صدور قرار عن اللجنة التشريعية المختصة، وعدم تعميم البند على الأعضاء قبل الجلسة بالمهلة المطلوبة، فضلًا عن الحديث عن إقرار التعديل في غياب محضر اللجنة التشريعية، وعدم تنظيم محضر لجلسة المجلس الشرعي نفسها.

إنّ هذه المسائل، لما لها من أهمية قانونية ومؤسساتية، تستوجب التحقق الدقيق والموضوعي من محاضر الجلسات والمستندات الرسمية والأصول المرعية، بعيدًا عن الاتهامات المسبقة أو الأحكام المتسرعة. فالمؤسسات لا تُصان بتجاهل الأسئلة المشروعة، بل بالإجابة عنها بوضوح وشفافية، والعودة إلى الوثائق التي تحسم الوقائع وتحدد المسؤوليات.

إنّ استحضار هذه المحطة ليس بقصد التشهير بأحد أو تحميل أي طرف مسؤولية قبل التثبت، بل لأنّ معالجة الأزمة الراهنة لا يمكن أن تكون سليمة ما لم تستند إلى مراجعة جدية وموثقة لما جرى، وإلى احترام الأصول التي تحفظ شرعية القرارات وثقة الناس بالمؤسسات.

ثانيًا: المرسوم 18/1955 واحترام القانون أساس حماية دار الفتوى

لقد أعاد النزاع المتصل بملف التمديد المرسوم رقم 18/1955 إلى صدارة النقاش، ولا سيما في ضوء ما أُثير أمام مجلس شورى الدولة وما صدر عنه من مواقف وقرارات ذات صلة بالملف.

وهذا المرسوم ليس تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل إطار ناظم لشؤون دار الفتوى ومؤسساتها، يستوجب التعامل معه بمسؤولية، سواء لجهة تطبيق أحكامه أو لجهة أي تعديل قد تقتضيه الحاجة، على أن يتم ذلك وفق الأصول القانونية المرعية.

وإذا كانت هناك حاجة إلى تطوير هذا الإطار أو تحديثه، فإنّ الطريق السليم هو الاحتكام إلى المؤسسات المختصة، واستكمال الإجراءات القانونية اللازمة، لا الدخول في مسارات تفتح الباب أمام نزاعات جديدة أو تضع القرارات موضع اعتراض مستمر.

إنّ احترام القانون لا ينتقص من مقام المفتي، ولا يضعف دار الفتوى، بل يصون كليهما. فالمكانة الدينية لا تتعارض مع الالتزام بالأصول، وهيبة المرجعية لا تُحمى بتعطيل المراجعة، بل بتأكيد أنّ المؤسسة قادرة على معالجة خلافاتها ضمن القانون، وبما يضمن حقوق الجميع.

كما أنّ احترام القضاء يقتضي عدم تحويل القرارات القضائية إلى مادة للسجال الإعلامي أو السياسي، بل التعامل معها بمسؤولية، وفهم آثارها القانونية، والبناء عليها بما يخدم المصلحة العامة ويحفظ استقرار المؤسسة.

ثالثًا: إلى سماحة المفتي وأصحاب الدولة والمرجعيات السنية

نتوجّه إلى سماحة مفتي الجمهورية بنداء صادق، عنوانه الحكمة والمسؤولية، راجين أن تكون حماية دار الفتوى واستقرارها أولوية تتقدم على كل اعتبار، وأن تشكّل هذه المرحلة فرصة لإعادة جمع الكلمة واستعادة الثقة وتحصين المرجعية الدينية من تداعيات الخلاف.

إنّ المراجعة الحكيمة للمواقف، متى اقتضتها المصلحة العامة والأصول القانونية، ليست انتقاصًا من المكانة، بل دليل على سمو المسؤولية وقوة القيادة. فالقائد الذي يحفظ المؤسسة لا يُقاس بقدرته على تجاوز الأزمات فحسب، بل باستعداده لاتخاذ القرار الذي يصونها، ولو تطلّب ذلك تقديم المصلحة العامة على أي اعتبار آخر.

كما نتوجّه إلى دولة رئيس مجلس الوزراء، وأصحاب الدولة رؤساء الحكومات السابقين، وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، والمرجعيات والشخصيات السنية، داعين إياهم إلى تحمّل مسؤولياتهم التاريخية والوطنية، والعمل على إيجاد مخرج جامع يحول دون اتساع الشرخ، ويمنع انتقال الخلاف إلى مواجهة بين المرجعية الدينية والعاملين في مؤسساتها أو بين مكونات الطائفة نفسها.

إنّ دخول مزيد من الأطراف في النزاع، وتوسّع المراجعات والاعتراضات، مؤشرات تستدعي التحرك العاجل، لا انتظار مزيد من التوتر. فمسؤولية القيادات لا تقتصر على تسجيل المواقف، بل تتمثل في إيجاد الحلول، ولا سيما عندما تكون المؤسسة المعنية مرجعية دينية ووطنية تتجاوز في أهميتها الأشخاص والمواقع.

رابعًا: خارطة طريق عملية للخروج من الأزمة

إنّ الخروج من هذه الأزمة ممكن، شرط توافر الإرادة الصادقة، والاحتكام إلى القانون، والتعاون بين جميع المعنيين. ومن هنا، نقترح خارطة طريق تقوم على الخطوات الآتية:

-1 عقد اجتماع عاجل وجامع يضم سماحة مفتي الجمهورية، ودولة رئيس مجلس الوزراء، وأصحاب الدولة رؤساء الحكومات السابقين، وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وممثلين عن المرجعيات السنية، بهدف توحيد الموقف وتحديد الأولويات ومنع أي تصعيد إضافي.

-2 تشكيل لجنة قانونية مستقلة ومهنية من أصحاب الاختصاص المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، تتولى مراجعة المرسوم رقم 18/1955، والأنظمة المرعية، والقرارات القضائية ذات الصلة، ومحاضر جلسات المجلس الشرعي ووثائقها، ولا سيما ما يتصل بجلسة 9 أيلول 2023، للتحقق من استكمال الإجراءات والأصول المطلوبة وتحديد المسار القانوني السليم.

-3 وقف الحملات والتصريحات المتبادلة والامتناع عن تحويل دار الفتوى إلى ساحة للتجاذب السياسي أو الشخصي، مع الالتزام بخطاب هادئ ومسؤول يحفظ مقام المفتي وكرامة العاملين في الدار، ويمنع تأجيج الخلاف داخل الطائفة.

-4 اعتماد توصية قانونية واضحة وملزمة في إطار الأصول المرعية تحدد الخيارات المتاحة والمخرج السليم من الأزمة، على أن تُبنى القرارات اللاحقة عليها، بعيدًا عن الضغوط والحسابات الشخصية، وبما يحفظ حقوق الجميع وكرامة المؤسسة.

-5 ضمان استمرارية عمل دار الفتوى ومؤسساتها وحماية مصالح الموظفين والعاملين والمستفيدين من خدماتها، وتجنب أي إضرابات أو تظاهرات أو مظاهر توتر داخل الدار أو في محيطها، لأنّ تعطيل المؤسسات لا يحلّ الخلاف، بل يضاعف أضراره.

-6 دعوة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى إلى الانعقاد وفق الأصول القانونية وبنصاب صحيح، وبجدول أعمال واضح، ومحاضر رسمية مكتملة، لاتخاذ القرارات اللازمة في ضوء المراجعة القانونية والمرجعيات الناظمة لعمله، بما يمنع استمرار النزاع أو تكريس واقع محل اعتراض.

-7 حسم مسألة ولاية مفتي الجمهورية وفق الأصول القانونية، بما في ذلك الانتقال إلى انتخاب مفتٍ جديد إذا ثبت أنّ ذلك هو المسار الذي تقتضيه القواعد القانونية والقرارات القضائية ذات الصلة، على أن يتم ذلك بطريقة مؤسساتية تحفظ مقام سماحة المفتي، وتصون وحدة دار الفتوى، وتضمن انتقالًا هادئًا ومنظمًا، بعيدًا عن أي فراغ أو مواجهة.

إنّ هذه الخطوات ليست دعوة إلى انتصار فريق على آخر، ولا تستهدف شخصًا أو تنتقص من مقام ديني، بل تهدف إلى وضع حدّ للأزمة، وإعادة الاعتبار إلى الأصول والمؤسسات، وإيجاد مخرج يحفظ كرامة الجميع ويمنع استمرار النزاع المفتوح.

خامسًا: دار الفتوى أمانة تتجاوز الأشخاص والمواقع

يا أصحاب السماحة والدولة والفضيلة،

إنّ دار الفتوى ليست ملكًا لأحد، ولا يجوز أن تتحول إلى ساحة صراع أو ورقة في أي حساب سياسي أو شخصي. إنها أمانة دينية ووطنية، ومرجعية للمسلمين في لبنان، ومؤسسة لها تاريخها ومكانتها ودورها في حماية الاعتدال، وتعزيز العيش المشترك، وصون السلم الأهلي.

وما يتهدد المؤسسات العريقة ليس الاختلاف في الرأي بحد ذاته، بل العجز عن إدارة الاختلاف ضمن الأصول، وتقديم الحسابات الخاصة على المصلحة العامة، وترك الخلافات تتراكم حتى تتحول إلى أزمة ثقة وانقسام يصعب احتواؤهما.

إنّ المطلوب اليوم ليس تسجيل النقاط، ولا تبادل الاتهامات، ولا الانتصار للأشخاص، بل اتخاذ موقف شجاع يضع حدًا للنزاع، ويؤكد أنّ المرجعية الدينية لا تستمد هيبتها من الأشخاص وحدهم، بل من احترام القانون، وسلامة الإجراءات، ووحدة الموقف، وثقة الناس بها.

وليس من المقبول أن تبقى دار الفتوى رهينة أزمة مفتوحة، فيما ينتظر أبناؤها من قياداتهم موقفًا يليق بتاريخها ومسؤولياتها. كما لا يجوز أن تتحول الخلافات إلى شرخ بين أبناء الطائفة، أو أن تتراجع الثقة بمؤسساتها في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى مرجعيات جامعة، قادرة على احتواء الأزمات وتقديم المصلحة الوطنية على كل ما عداها.

كلمة أخيرة: المسؤولية اليوم قبل الغد

إنّ التاريخ لا يحفظ المواقع وحدها، بل يحفظ المواقف التي اتُّخذت لحماية المؤسسات في اللحظات الصعبة. وقد تكون هذه المرحلة فرصة حقيقية لإثبات أنّ الحكمة أقوى من الانقسام، وأنّ الاحتكام إلى القانون أرسخ من المصالح الآنية، وأنّ كرامة دار الفتوى فوق كل اعتبار.

لذلك، نناشد سماحة مفتي الجمهورية، وأصحاب الدولة، وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وجميع المرجعيات والشخصيات المعنية، ألّا يتركوا الأزمة تتفاقم، وأن يبادروا إلى حوار جاد ومسؤول، ينتهي إلى قرار واضح، ومسار قانوني سليم، وحلّ يحفظ المؤسسة وكرامة القائمين عليها ووحدة الطائفة.

إنّ المسؤولية اليوم ليست في الدفاع عن موقف مهما كانت كلفته، بل في إنقاذ المؤسسة من تداعيات الأزمة. وليست في تأجيل الحل، بل في امتلاك الشجاعة لاتخاذ القرار الذي تقتضيه المصلحة العامة.

فلنجعل من هذه اللحظة محطة لاستعادة الثقة، لا مناسبة لتعميق الانقسام؛ ولنجعل من القانون مرجعًا للحل، لا عنوانًا للنزاع؛ ولتكن دار الفتوى هي المنتصرة، لأنّ انتصارها هو انتصار للاعتدال والوحدة والاستقرار.

حفظ الله دار الفتوى، وصان مقام مفتي الجمهورية اللبنانية، ووفّق جميع المعنيين إلى كلمة سواء وقرار حكيم يحفظ المؤسسة ووحدتها ومكانتها الدينية والوطنية.

والله وليّ التوفيق.

aounikaaki@elshark.com

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.