حديث الجمعة_أفلا تتفكرون
المهندس بسام برغوت
ميز الله تعالى الإنسان بالعقل، ومنحه القدرة على التفكير والتأمل، وطلب منه النظر في نفسه وفي الكون من حوله، وصولا إلى معرفة عظمة الخالق سبحانه وتعالى، والتمييز بين الحق والباطل، والخير والشر. ولذلك نجد أن القرآن الكريم لا يخاطب الإنسان باعتباره جسدًا فقط، وإنما يخاطب عقله وقلبه ووجدانه، ويدعوه باستمرار إلى النظر والتأمل والتدبر.
ومن العبارات القرآنية العميقة التي تدعو الإنسان إلى إعمال عقله والتأمل فيما حوله قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾، (سورة الأنعام)، حين أمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يوضح للناس حقيقة رسالته، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الأنعام).
فالآية تدعو الإنسان إلى المقارنة والتأمل: هل يستوي من لا يرى الحقيقة مع من أبصرها؟ وهل يستوي من يعيش غافلًا عن آيات الله مع من يستخدم عقله وقلبه للوصول إلى الحق؟
إن السؤال القرآني هنا ليس سؤالًا يحتاج إلى جواب لفظي فقط، وإنما هو دعوة إلى إعمال العقل. وكأن الإنسان يُدعَى إلى أن يتوقف قليلًا عن العناد والتقليد، وأن ينظر بنفسه في الأدلة والآيات.
التفكر ليس مجرد جمع المعلومات أو محاولة الوصول إلى إجابات مادية عن أسئلة الحياة. التفكر الذي يدعو إليه القرآن هو أن ينظر الإنسان فيما حوله بعين الاعتبار، وأن ينتقل من رؤية الأشياء إلى فهم دلالاتها، ومن ملاحظة النعم إلى معرفة المنعم، ومن مشاهدة خلق الله إلى إدراك عظمته وقدرته وحكمته.
فالإنسان قد يرى السماء كل يوم، ويرى الشمس والقمر والنجوم، ويرى النبات والماء والبحار والجبال، وقد يعتاد هذه المشاهد حتى تصبح بالنسبة إليه أمورًا عادية. لكن الإنسان المتفكر لا يكتفي بالمشاهدة، بل يسأل نفسه: من خلق هذا الكون؟ وكيف انتظمت هذه المخلوقات؟ ومن أين جاءت هذه النعم؟ وما الغاية من وجود الإنسان؟
وهنا يتحول النظر العادي إلى تفكر، ويتحول التفكر إلى معرفة، والمعرفة الصادقة تقود إلى شكر الله وتعظيمه.
ومن أعظم المجالات التي دعا القرآن الإنسان إلى التفكر فيها خلق السماوات والأرض.
قال الله تعالى:﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ ..﴾ ( سورة آل عمران ).
تأمل كيف جمع القرآن بين الذكر والتفكر. فالمؤمن لا يذكر الله بلسانه فقط، ولا يفكر بعقله بعيدًا عن قلبه، وإنما يجتمع في شخصيته الذكر والتفكر.
حين يتأمل الإنسان اتساع الكون، وتعاقب الليل والنهار، ونظام الحياة، ودقة خلق الإنسان، فإنه يدرك أنه يعيش وسط آيات عظيمة تدعوه إلى معرفة الله تعالى.
والتفكر في الكون لا يعني أن يعرف الإنسان كل أسراره، بل يكفي أن يدرك أن هذا الكون لم يوجد عبثًا، وأن وراء هذا الخلق حكمة وقدرة وعظمة.
وقد دعا القرآن الإنسان أيضًا إلى أن يتفكر في نفسه، قال تعالى:﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (سورة الروم ).
يسأل الإنسان نفسه: لماذا أعطاني الله هذه الحياة؟ وكيف أستعمل وقتي؟ وما الأعمال التي أتركها خلفي؟ وما الأثر الذي أتركه في حياة الآخرين؟
وهذه الأسئلة تجعل الإنسان أكثر وعيًا بقيمة حياته، وأكثر حرصًا على أن يجعل أيامه مليئة بما ينفعه وينفع غيره.
ليس المقصود من التفكر أن يعرف الإنسان المعلومة ثم ينتهي الأمر، بل أن تترك هذه المعرفة أثرًا في حياته. فإذا تفكر في نعم الله، ازداد شكرًا، وإذا تفكر في أخطائه، سعى إلى إصلاحها، وإذا تأمل سرعة مرور الأيام، حرص على استثمار وقته فيما ينفعه، وإذا تدبر آيات القرآن، حاول أن يجعلها منهجًا يسير عليه في حياته. فالتفكر الحقيقي هو الذي ينتقل من العقل إلى القلب، ومن القلب إلى العمل. وقد يرى الإنسان الشيء نفسه الذي يراه غيره، لكن الفرق يكون في طريقة النظر إليه؛ فهناك من يرى المطر مجرد ماء ينزل من السماء، وهناك من يراه نعمة ورحمة تستحق الشكر، وهناك من يرى الليل مجرد وقت للنوم، وهناك من يتأمل في سكونه ويتذكر قدرة الله وحكمته. وهكذا يصبح التفكر أسلوب حياة، يجعل الإنسان أكثر وعيًا بنعمة الله، وأكثر حرصًا على الخير، وأبعد عن الغفلة.
ختاماً ،
إن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان بعقله أن يستعمله في معرفة الحق، وأن يجعل من كل شيء حوله بابًا للتأمل والاعتبار.
عندما ننظر إلى السماء نتفكر في عظمة الخالق، وعندما ننظر إلى أنفسنا نتفكر في دقة الخلق، وعندما نرى النعم نتفكر في فضل الله، وعندما نقرأ القرآن نتفكر في هدايته، وعندما نراجع أعمالنا نتفكر في مستقبلنا.
لقد وردت عبارة «أفلا تتفكرون» مرة واحدة في القرآن الكريم، لكنها تحمل دعوة عظيمة تتردد معانيها في آيات كثيرة، ويؤكد تكرر ألفاظ التفكر في القرآن أن الإنسان مدعو إلى أن يستخدم عقله وقلبه معًا.
المهندس بسام برغوت
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.