خريف 2026: الشعوب تنتخب والسلطة خارج الصندوق

10

بقلم سحر ناصر

للخريف ألوانه المعتادة من الكريمي بنكهة «لاتيه اليقطين» إلى البني الكستنائي المستوحى من أوراق الشجر المتساقطة، اعتدنا موسمًا بسيطًا ومحايدًا وهادئًا. لكن خريف 2026 قرّر أن يغيّر لوحته، فتربّع الأحمر على العرش، وحضر الأرجواني الملكي بقوة. ودخلنا موسم «التعبير عن الذات» كما يصفه خبراء الألوان كما في صناديق الاقتراع.

فمن موسكو إلى ستوكهولم، ومن واشنطن إلى تل أبيب، ومن ريغا إلى برازيليا، تتجه ملايين الأصوات إلى صناديق الاقتراع، وكأن العالم قرّر أن يجعل من هذا الخريف موسمًا عالميًا لاختيار ألوان الحكومات والبرلمانات.

قد تتشابه هذه الصناديق في أشكالها، لكنها تختلف جذريًا في وظائفها السياسية. في روسيا، تجرى الانتخابات البرلمانية في 20 سبتمبر وسط العملية العسكرية الخاصة التي تديرها موسكو في أوكرانيا منذ عام 2022. وهناك، يصعب فصل صندوق الاقتراع عن الحرب. فالتصويت لن يكون حول تشكيل مجلس الدوما فحسب، بل سيُمثّل اختبارًا لقدرة «بوتين» على تجديد شرعيته السياسية رغم الاستنزاف والضغوط الخارجية.

في المقابل، تقدّم أوكرانيا حالة معاكسة، مع رفض زيلينسكي دعوات إجراء الانتخابات رغم انتهاء ولايته منذ مايو 2024، معتبرًا أنها ستدفع المجتمع إلى مزيد من الانقسام في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى أكبر قدر من الوحدة. وفي هذا النموذج، تظهر الحرب دافعاً لاستخدام الصندوق في بلد، أو سبباً للابتعاد عنه في آخر.

من جهتها، قدّمت كازاخستان نموذجًا ثالثًا للانتخابات بعد فوز الحزب الحاكم فوزًا مريحًا لُتحقق توازن دقيق بين السلطات التنفيذية والتشريعية دون أن تمسّ بمراكز النفوذ، ويبقى نظامها الفائز حليفًا لروسيا وأوروبا في الوقت نفسه. في الدول المجاورة التي تدور في هذا الفلك، تأتي الاستحقاقات الانتخابية في لاتفيا والبوسنة والهرسك وبلغاريا وسط بيئة أمنية تختبر علاقة الناخب مع روسيا، ونظرته لقضايا الأمن والدفاع والطاقة. المعادلة في السويد مختلفة، فالانتخابات البرلمانية التي ستشهدها البلاد في 13 سبتمبر ستُحدّد اتجاهات المجتمع السويدي المتنوع ثقافياً تجاه قضايا الهجرة ومستقبل دولة الرفاه.

في أمريكا، تحمل انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر معنى مختلفًا. فالانتخابات ستمنح العالم مؤشراً على كيفية إعادة توزيع القوة داخل الكونغرس، وتأثيرها على سياسات البيت الأبيض الخارجية. ومع 4 أكتوبر، تدخل البرازيل مرحلة انتخابات عامة حساسة في ظلّ الضغوط الخارجية والقضايا المعيشية، وهنا سيكون الصندوق اختبارًا لترتيب الأولويات الوطنية وتأثير القوى الحزبية.

أما الانتخابات التشريعية الإسرائيلية الموعودة في 27 أكتوبر فلها أهمية خاصة لأنها ستكشف «نموذج الديمقراطية» الإسرائيلية في محاسبة الحكومة الحالية، أو منحها تفويضًا جديدًا لتدمير الذات. تليها الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في الأسبوع الثاني من نوفمبر، بعد انقطاع دام سنوات، في محاولة لاستعادة ورقة التوت الشرعية، واختبارٍ صعب للوحدة الداخلية.

يبدو خريف 2026 مثيرًا للاهتمام؛ فقد تكون هذه النماذج الانتخابية مؤشرًا على استدامة العملية الديمقراطية، رغم نزعات التشدد التي يُنذر بها النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكّل. قد نشهد ازدحامًا في المواعيد الانتخابية، وقد يكون التصويت حرًا، وتُجرى الانتخابات في مواعيدها، وترتفع نسب المشاركة السياسية، وتنجح الدول في التعامل مع تحديات التصويت الإلكتروني والهويات الرقمية والحملات السياسية المضللة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لكن الاختبار الحقيقي اليوم يتعلّق بمعنى النموذج التقليدي للانتخابات، ومدى فاعلية المعادلة الكلاسيكية التي تحكم هذه العملية: ناخب، صندوق، ثم حكومة جديدة، أو برلمان جديد، أو رئيس جديد.

فالسلطة اليوم لم تعد محصورة في ثلاثة مستويات: رئاسية وتنفيذية وتشريعية، بل أصبحت موزّعة بين الحكومات والبرلمانات والمحاكم والبنوك المركزية والمؤسسات المالية والأمنية والأسواق والتحالفات الدولية وشركات التكنولوجيا، فضلًا عن فاعلين آخرين يتجاوز نفوذهم هذه المستويات. وقد يستطيع الناخب تغيير الحكومة، لكنه قد يكتشف في اليوم التالي أن جزءًا كبيرًا من المنظومة الاقتصادية والأمنية والدولية التي حكمت العهود السابقة ما زال قائمًا.

في الوقت الذي يناقش فيه العالم جدوى الانتخابات بمفهومها التقليدي، وتُعدّل القوانين الانتخابية من الفلبين إلى إستونيا لمواكبة التحولات الرقمية، لا يزال جزء من منطقتنا منشغلًا بالسؤال الأساسي: هل ستُجرى الانتخابات أصلًا؟ ومتى؟ ربما «سبقنا عصرنا» في العالم العربي في اكتشاف حدود الصندوق.

فيما يبحث العالم عن دور مغاير للناخب، وماهية الصندوق الرقمي في نظام عالمي جديد، لا يزال هناك من هو مطالب في دولنا بإصدار «شهادة بأنه على قيد الحياة» وهي وثيقة رسمية تثبت أن الشخص حيّ يُرزق في تاريخ صدورها، ومن يُحاول إثبات حقه في وثيقة ميلاد. ومع ذلك قد يصل إلى صندوقه الأخير، قبل أن يصل أصلًا إلى صندوق الاقتراع الموعود.

سحر ناصر

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.