رسائل الشيباني إلى بيروت: المصالحة والشراكة والاستقرار

3

بقلم د. ابراهيم العرب
لم تعد الزيارة الرسمية الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان مجرد محطة دبلوماسية في سياق العلاقات الثنائية، بل غدت حدثاً سياسياً يحمل في طياته مؤشرات على تحوّل نوعي في مقاربة دمشق الجديدة لعلاقاتها مع بيروت. فالزيارة، التي استهلها الشيباني بلقاء رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في قصر بعبدا، بحضور وفدي البلدين، قبل أن تشمل رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وسماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، إلى جانب عدد من القيادات السياسية، تعكس إرادة سورية واضحة لإعادة تأسيس العلاقة مع لبنان على قواعد الدولة والمؤسسات، بعيداً عن إرث الوصاية والتدخل الذي طبع مراحل طويلة من التاريخ المشترك.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية استثنائية لأنها تأتي حاملة مبادرة سياسية صاغها الرئيس السوري أحمد الشرع بخط يده، ويتولى الشيباني ترجمتها سياسياً ودبلوماسياً أمام المسؤولين اللبنانيين. وهي مبادرة تنطلق من مبدأ المساعدة والتكامل، وتؤكد أن سوريا الجديدة لا تسعى إلى أي دور عسكري في لبنان، ولا إلى إحياء أنماط العلاقات السابقة، وإنما إلى بناء شراكة قائمة على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون لتحقيق المصالح المشتركة.
ويبدو أن الرسالة الأبرز التي تحملها دمشق إلى بيروت تتمثل في تأكيد انتقال العلاقة بين البلدين من منطق النفوذ إلى منطق الشراكة، ومن العلاقات الشخصية والمحاور السياسية إلى العلاقات المؤسسية بين دولتين مستقلتين. فالرئيس أحمد الشرع يسعى إلى ترسيخ قناعة بأن سوريا الجديدة تنظر إلى لبنان بوصفه شريكاً سيادياً، لا ساحة نفوذ، وأن استقرار لبنان يمثل مصلحة سورية بقدر ما يمثل مصلحة لبنانية.
وفي هذا السياق، طرحت دمشق، خلال لقاءات الشيباني، رؤية سياسية للمساعدة في معالجة واحدة من أكثر القضايا اللبنانية حساسية، وهي مسألة حصر السلاح بيد الدولة. إلا أن المبادرة السورية لا تتبنى مقاربة أمنية أو قسرية، بل تقوم على تشجيع مسار سياسي توافقي بين اللبنانيين، يجنّب البلاد الانقسامات أو المواجهات الداخلية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن أن تُحسم إلا بالحوار والتفاهم، بعيداً عن فرض الوقائع أو اللجوء إلى القوة.
ومن هنا، اكتسب اللقاء مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية خاصة، ليس فقط باعتباره أول لقاء بهذا المستوى بين القيادة السورية الجديدة وأحد أبرز أركان الحياة السياسية اللبنانية، بل لأنه تناول سبل تخفيف الاحتقان الداخلي، وإمكان مساهمة سوريا، بالتنسيق مع شركائها العرب والإقليميين، في احتواء أي توترات قد ترافق المرحلة المقبلة، ومنع انزلاق لبنان إلى صدامات داخلية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة. وهو ما يعكس إدراكاً سورياً بأن أمن لبنان واستقراره يشكلان جزءاً من أمن المنطقة واستقرارها.
ولا تقف المبادرة السورية عند حدود الملفات السياسية والأمنية، بل تمتد إلى رسم إطار متكامل للعلاقة المستقبلية بين البلدين، يقوم على تطوير التعاون السياسي والاقتصادي، وتعزيز التنسيق الأمني لضبط الحدود ومنع التهريب، وعدم استخدام أراضي أي من البلدين للإضرار بالآخر، إضافة إلى تنشيط الاتفاقيات الثنائية، وتفعيل اللجان المشتركة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي والتجاري والنقل والطاقة.
كما تتضمن المبادرة رؤية مشتركة للتعامل مع التحديات الإقليمية، وفي مقدمتها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وسوريا، والتشديد على ضرورة انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية والسورية المحتلة. ويأتي ذلك في انسجام مع الموقف الذي سبق للرئيس أحمد الشرع أن أعلنه بشأن ضرورة استعادة مزارع شبعا من الاحتلال، على أن يُصار لاحقاً إلى معالجة مسألة هويتها القانونية بالتفاهم بين الدولتين، بما يحفظ الحقوق ويكرس منطق الحوار.
وتحمل محطة طرابلس بعداً سياسياً ورمزياً لا يقل أهمية عن اللقاءات الرسمية. فاختيار الشيباني أداء صلاة الجمعة في مسجد السلام، الذي ارتبط اسمه بواحدة من أكثر المجازر إيلاماً في الذاكرة اللبنانية خلال سنوات الحرب السورية، يتجاوز الاعتبارات البروتوكولية، ليحمل دلالات معنوية عميقة. فالمكان يمثل رمزاً لمعاناة مدينة طرابلس، وحضور أول وزير خارجية يمثل سوريا الجديدة إلى هذا المسجد يُقرأ بوصفه رسالة اعتراف بالآلام، وإشارة إلى رغبة دمشق في طي صفحات الماضي المؤلمة، وفتح باب جديد للمصالحة واستعادة الثقة بين الشعبين.
إن هذه الرمزية تكتسب أهمية مضاعفة لأنها تأتي من دون أي لقاءات سياسية في المدينة، بما يعزز الانطباع بأن الرسالة موجهة إلى الوجدان اللبناني أكثر مما هي موجهة إلى القوى السياسية، وأن دمشق تسعى إلى مخاطبة الذاكرة الجماعية بلغة المصالحة لا بلغة الاصطفافات.
ولا يمكن فصل هذا التحول في الخطاب السوري عن المناخ العربي الداعم لإعادة بناء العلاقات بين دمشق وبيروت، ولا سيما في ظل الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار في المشرق العربي، وإبعاد لبنان عن دوائر الصراع، بما يكرّس منطق الدولة ويعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية.
في المحصلة، تبدو زيارة أسعد الشيباني أكثر من مجرد زيارة رسمية؛ إنها محاولة سورية لصياغة عقد سياسي جديد مع لبنان، عنوانه احترام السيادة، والتعاون، والتكامل، ومعالجة القضايا الخلافية بالحوار لا بالإملاء. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل رهناً بقدرة الطرفين على ترجمة النوايا إلى سياسات عملية، وبإرادة مشتركة لتجاوز إرث الماضي من دون تجاهل دروسه.
فالعلاقات اللبنانية–السورية، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، لا يمكن أن تُبنى على القطيعة ولا على الهيمنة، بل على الشراكة المتوازنة والاحترام المتبادل. وإذا نجحت المبادرة التي يحملها الشيباني في تحويل هذا التصور إلى مسار سياسي مستدام، فقد تكون بداية مرحلة جديدة، لا تُعيد إنتاج الماضي، بل تؤسس لمستقبل أكثر استقراراً، يكون فيه أمن لبنان وسوريا وتعاونهما ركيزة لاستقرار المشرق العربي بأسره.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.