سلّوم لـ “الشرق” لو طبقت مشاريع القوانين الصحية العالقة وفي مقدمتها إنشاء الوكالة الوطنية للدواء لكان بإمكان لبنان تجنب الجزء الأكبر من الكارثة الاستشفائية والدوائية
كم من مريض سرطان ضحية عدم الشروع في الوكالة الوطنية للدواء؟
كتبت ريتا شمعون
لا تزال الادوية في لبنان تسعر رسميا وفقا لوزارة الصحة العامة، ولم تترك لتقلبات السوق الحرة، ومع ذلك فان هذه الأسعار تشهد تغيرات متكررة ومستمرة في ظل تغير المؤشرات، والسؤال المشروع، لماذا لا نرى اليوم السعر مطبوعا على علبة الدواء في صيدليات لبنان؟
وللتذكير، تعود صلاحية إصدار الأسعار وتعديلها حصراً لوزارة الصحة العامة بالتنسيق مع نقابة الصيادلة، ولا يحق لأي صيدلية تسعير الدواء من تلقاء نفسها أو تغيير السعر بناء على تقلبات يومية في السوق، ولكن نشهد بين الحين والآخر فوضى في الأسعار في صيدليات لبنان.
وفق بعض الصيادلة تعود هذه الفوضى في الأسعار غالبا الى تأخر تسليم بعض الوكلاء للشحنات أو انقطاع بعض أصناف الادوية المزمنة، أو عدم التزام المستوردين أو الشركات المصنعة بطباعة السعر الرسمي بوضوح على العلبة، مما يدفع بعض المرضى للاعتقاد بان هناك تقلبات عشوائية أو احتكاراً تمهيدا لرفع الأسعار.
أمام هذا الواقع، يسأل نقيب صيادلة لبنان السابق الدكتور جو سلّوم وفي حديث خاص لجريدة “الشرق” كم من مريض سرطان ضحية عدم الشروع في الوكالة الوطنية للدواء؟
يدافع سلّوم بشدة عن تفعيل الوكالة الوطنية للدواء باعتبارها الركيزة الأساسية لإنقاذ القطاع الصحي، مضيفا: أقرّ مجلس الوزراء المراسيم التطبيقية للوكالة الوطنية للدواء في العام 2025، وجاء هذا الإقرار بعد مطالبات ومناشدات مستمرة قادتها نقابة الصيادلة في لبنان برئاسة نقيبها السابق جو سلّوم لحماية قطاع الدواء ومكافحة التزوير والتهريب، موضحا المسار التشريعي والتنفيذي الذي مرّ به هذا الملف قائلاً: إن البرلمان اللبناني قد أقر إنشاء ” الوكالة الوطنية للدواء ” في نهاية العام 2021 ومنذ ذلك الوقت ظل القانون معطلاً وبحاجة الى خطوة تنفيذية التي تحققت مع إصدار مجلس الوزراء في العام 2025 المرسوم التطبيقي رقم 1104 ذلك استجابة للضغوطات النقابية والصحية وهو ما اعتبر الركيزة الأساسية لوضع الوكالة على السكة التنفيذية.
وأضاف، قد تمّ تصميم الوكالة الوطنية للدواء لتجمع بين الاستقلالية التامة والرقابة الحكومية ” وزارة الصحة”، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالين المالي والإداري وهذا يمنحها مرونة كاملة في اتخاذ القرارات العلمية والرقابية ( تسجيل الادوية، فحص جودتها وفقا للمعايير الدولية، استيراد الأدوية المبتكرة حديثا ومكافحة التزوير والتهريب) ومراقبة الادوية وما يتفرع منها من متممات غذائية ومنتجات صحية في الأسواق، كما تمتلك الصلاحية القانونية والفنية لسحب أي أدوية من الأسواق إذا تبين أنها تؤثر سلبا على صحة المرضى أو لا تستوفي معايير الجودة والسلامة المطلوبة، وتشمل مهامها أيضا مراقبة المواد الأولية لصناعة الادوية في لبنان وكذلك المستلزمات الطبية، على ان ترتكز بمهامها المذكورة على المختبر المركزي الذي لم يبصر النور داخل مستشفى رفيق الحريري الذي سيشمل الفحوصات المخبرية الخاصة بالأدوية الى جانب فحص الفيروسات والأوبئة ( مثل كورونا والكوليرا وغيرهما) ، إذ شدّد سلّوم، على ضرورة إنشائه لتأمين فحص دوري وشامل للأدوية وسحب الأدوية المخالفة من السوق بالتعاون مع النيابة العام التمييزية، فضلا عن الاستعانة بمختبرات الجامعات الأكاديمية في لبنان، وكذلك الاستعانة بالمجلس الوطني للبحوث العلمية.
ولم ينس سلّوم، الخمس أزمات المترابطة التي مرّ بها قطاع الدواء في لبنان التي بدأت بالظهور منذ اندلاع ثورة 17 تشرين الأول 2019، وصولا الى تبعات جائحة كورونا والانهيار الاقتصادي الكامل، أزمة شح الدولار وتراجع الاستيراد، أزمة تهريب الدواء المدعوم، أزمة رفع الدعم والارتفاع الجنوني للأسعار في أواخر العام 2021، بالإضافة الى أزمة الدواء المهرّب والخطير، وفوضى البدائل ( أدوية مزورة او فاسدة، أو أدوية غير مطابقة للمعايير الدولية) التي انتشرت في السوق السوداء، كلها عوامل أثرت سلبا على قطاع الأدوية في لبنان، مضيفا: أن تفعيل الهيئة أو الوكالة الوطنية للدواء كان سيشكل صمام أمان حقيقي لقطاع الدواء وأسهم بشكل مباشر في تفادي أو تخفيف حدة تلك الأزمات المتتالية التي مر بها السوق.
وفي الوقت الذي يتابع فيه مجلس النواب اقتراح قانون نظام التغطية الصحية الشاملة الإلزامي تتقاطع صيغته مع سلّوم، الذي سال عن الآلية التي يقوم عليها، معتبرا انها تشبه النظام الأميركي، الذي يعتمد برامج مخصصة لفئات محددة، مضيفا: أن هذه الصيغة لا تؤمن تغطية شاملة لجميع اللبنانيين بل تقتصر على فئات معينة، فيما تبقى الصناديق القائمة، كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتعاونية موظفي الدولة منفصلة بدلاً من توحيدها ضمن نظام واحد.
في المقابل لفت سلّوم، الى التجربة الفرنسية حيث يشمل التامين الصحي جميع المواطنين، ويعد إلزاميا، وتمول كلفته من مساهمات الأفراد وأصحاب العمل. موضحا ان هذا النظام يغطي نحو 80% من نفقات الاستشفاء والزيارات الطبية وعلاج الأسنان، فيما يمكن للمواطن تغطية النسبة المتبقية، البالغة 20%، من خلال تامين تكميلي يعرف باسم Mutuelle سواء عبر الاشتراك به على نفقته أو من خلال شركة تأمين.
ويشير سلّوم، الى التقاطعات التشريعية داخل مجلس النواب حيث برز التنسيق بين كتلة حزب الكتائب النيابية والنائبين بلال عبدالله وفادي علامة حيث جرى التوافق على توحيد الرؤية حول اقتراح قانون التغطية الصحية الشاملة عبر الوكالة الوطنية للدواء والبطاقة الصحية الموحدة، مؤكدا ضرورة إقرار قانون يضمن حصول جميع اللبنانيين على تغطية صحية جيدة سواء كانوا من المتقاعدين أو الفئات الأكثر حاجة او العاملين، من دون تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية أو زيادة الضغط على خزينة الدولة.
وفي ما يتعلق بالبطاقة الصحية، والفكرة التي يطالب بها سلّوم، إصدار بطاقة صحية موحدة تخول المواطن زيارة الطبيب وشراء الدواء من الصيدلية مع تغطية تصل الى 80% لتخفيف التكاليف الباهظة عن كاهل العائلات اللبنانية، لكن هذه الفكرة وغيرها لا تزال مشاريع قوانين مطروحة للنقاش ولم يتم تطبيقها رسميا أو لم تتحول الى قوانين نافذة.
ويتابع سلّوم، أن هذه القوانين ومشاريع التغطية الصحية الشاملة قد تلغي مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستوصفات في لبنان بدمج هذه المراكز والمستوصفات وتنظيمها وتحويلها الى البوابة الأولى والوحيدة أو شبكة صحية موحدة التي يمر عبرها المريض والتي من شانها ان تحدّ من التهريب والتزوير، ويستعيد القطاع الصحي في لبنان عافيته ونشاطه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.