علاء الدين لـ «الشرق» النهوض الاقتصادي لن يكون بالمهمة السهلة فور توقف الحرب والتنير لـ «الشرق» التراجع الاقتصادي يضغط بقوة على الإيرادات التجارية
ركود اقتصادي، تراجع في الحركة التجارية تخطى 50%، وشحّ في السيولة
كتبت ريتا شمعون
تتوقع وكالة التصنيف الدولية «موديز» انكماشا حادّاً في الاقتصاد اللبناني بنسبة 14% وذلك نتيجة مباشرة للحرب المحلية وتداعيات الصراع الإقليمي، مع ترجيح عودة النمو الإيجابي بنسبة 5% العام المقبل. وهو تقدير يتجاوز توقعات وزير المالية ياسين جابر الذي قدّر الانكماش بين 7% و10%، مع اضرار مباشرة تصل الى 20 مليار دولار. فإن انكماشا بهذا الحجم لا يمحو التعافي السابق فحسب، بل يعيد الاقتصاد الى نقطة أضعف بكثير، هذا يعني قدرة شرائية أضعف، فرص عمل أقل، مداخيل أكثر هشاشة وتراجعا إضافيا في استهلاك الأسر. باختصار، أرقام «موديز» لا تصف ركوداً عابراً، بل حلقة ضغط مزدوجة : اقتصاد ينكمش ومواطن يخسر من دخله الحقيقي. وحيث يشهد لبنان شحا واضحا في تداول الدولار وشللاً وتراجعا في تدفق الأموال والاستثمار وجمودا في التبادل التجاري، ليدخل الاقتصاد فعليا مرحلة ركود وانكماش، يعني دخول لبنان في حلقة البطالة والفقر والضغط على الليرة، ما يجعل التعافي كلّما طال أمد الركود بطيئا وصعب التحقق بحسب خبراء التجارة أحمد علاء الدين وجهاد التنير .
بمعنى آخر، يتقاضى اللبناني دخلاً قريبا من دول متوسطة الى فقيرة الدخل، لكنه يواجه كلفة معيشة أقرب الى دول أغنى بكثير، هذه المفارقة جعلت القدرة الشرائية للأسر تتراجع بصورة حادّة.
لنفهم حساسية ما يجري قد يكون من المفيد العودة الى بعض الحقائق والأرقام:
تصدّرت فئة النقل قائمة ارتفاعات الأسعار. كما شهدت فئة السكن والمياه والكهرباء والغاز والمحروقات ارتفاعا كبيرا.
بالتوازي ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 20الى 25%. بينما ارتفعت كلفة الترفيه والثقافة بنسبة أعلى توازي 50%. كما سجلت في الوقت نفسه، فئة الاستهلاك في قطاع المطاعم والفنادق ارتفاعا بنسبة 15الى 20%. وتشير آخر الأرقام ، كلفة « شحن كونتينر» من الصين الى لبنان ارتفعت من 2000 دولار الى 5500 دولار أميركي ، يعني التضخم في بداياته وسيشعل أسعار المواد وخاصة الغذائية.
رئيس مجلس الاعمال اللبناني البلغاري الدكتور أحمد علاء الدين ، يشير في حديث خاص لجريدة « الشرق» ، الى ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع في لبنان، والمحروقات مؤكدا أن هذا الغلاء الفاحش وصل الى 40%، وهو رقم غير مبرّر ، ويلفت الى ان الازمة الحالية ليست اقتصادية فحسب، بل نواجه مشكلة أخلاقية بسبب شجع بعض التجار الذين يربحون على حساب الناس جميعا.
وقد أثر اغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الشحن العالمية على سلوك بعض التجار موضحا ان الأسعار ارتفعت على اللبناني مرتين : الأولى بسبب الارتفاع العالمي ، والثانية نتيجة سعي التاجر المحلي الى تعظيم أرباحه في ظل غياب الإجراءات الرقابية الجدّية من المرفأ الى السوبرماركت والمحال التجارية ، ولدينا ظاهرة في لبنان، وهي ان نشرات الاخبار والتغطيات الإعلامية تلعب دورا مباشراً في رفع الأسعار ليس فقط من خلال نقل الواقع، بل عبر تحولها الى أداة تزيد من التضخم المدفوع بالحرب وحالة الهلع في السوق. ويقول علاء الدين، إن أكثر من 70% من العائلات اللبنانية باتت تعتمد بشكل أساسي على المنتجات الأقل سعراً عند التسوق اليومي، فالمواطن اللبناني يعيش ضغوطاً معيشية غير مسبوقة بسبب الغلاء، حيث بات تأمين الحد الأدنى من الغذاء والدواء صراعا يوميا قاسيا والخوف من « أكل الناس لبعضها» مؤكدا أن الغلاء العشوائي يؤدي الى انخفاض القدرة الشرائية وضعف السيولة، مما ينتج عنه أيضا تراجع في الحركة التجارية يتراوح بين 60% الى 70%، بالإضافة الى شلل شبه تام في السياحة والخدمات حيث يشهد قطاع المطاعم تراجعا حادّاً في الحجوزات.
علاء الدين، يتخوف من انفجار اجتماعي في هذا الجو الضبابي الخطير، خصوصا ان لبنان قد خسر كل مقوماته الاقتصادية والاجتماعية للصمود في ظل المزيد من التراجع الاقتصادي.
وأضاف، أن الغلاء الفاحش أدّى الى توجه شريحة كبيرة من المستهلكين نحو منصات التسوق الصينية التي تقدم تصاميم تواكب الموضة بأسعار تنافسية، فيما تراجعت مبيعات الماركات العالمية بنحو 70% لصالح البدائل الاقتصادية، لافتا الى تراجع كبير في حجم الاستيراد عما كان عليه قبل الحرب.
ويشير علاء الدين، الى العديد من البلدان الأوروبية التي تعتبر تكاليف المعيشة والسفر فيها أقل من لبنان، تتصدر هذا القائمة بلغاريا، رومانيا وبولندا، حيث تنخفض فيها أسعار الإيجار والمواد الغذائية. ويرى أن عجلة النهوض الاقتصادي فور توقف الحرب لن يكون بالمهمة السهلة نظرا لحجم أضرار الحرب وانكماش الناتج المحلي، مما يتطلب إقرار خطة واضحة لمعالجة تلك الازمات.
نائب رئيس جمعية تجار بيروت جهاد التنير وصف في حديث خاص لجريدة «الشرق» الوضع الاقتصادي في لبنان بالكارثي، قائلاً: إن صيف لبنان انتهى قبل أن يبدأ، فإن الموسم هذا العام يواجه تحديات غير مسبوقة، مشيرا الى تراجع كبير في حجوزات الطيران والفنادق وإلغاء العديد من الفعاليات الكبرى بسبب الأوضاع الأمنية مما ادّى الى غياب شبه كامل للسياح الأجانب» صيف لبنان بلا سياحة « مضيفا: التراجع في القطاع السياحي يؤدي الى شلل في الدورة الاقتصادية إذ يحرم البلاد من تدفقات العملات الأجنبية، ويكبد القطاعات الخدماتية خسائر فادحة، ويضغط بقوة على الإيرادات التجارية.
ويلخص هذا الانعكاس السلبي ضمن عدة محاور مترابطة تؤثر على الاقتصاد:
يعد الانفاق السياحي واموال المغتربين رافعة أساسية للاحتياطات النقدية، وتراجعها اليوم يعمق الركود الاقتصادي ، فضلا عن قطاع الخدمات وتشمل وكالات السفر، والأسواق التجارية وتأجير السيارات لافتا في السياق، «بدأ العديد من أصحاب المكاتب في لبنان بالفعل بيع كبير من اسطولهم نتيجة لتراجع الاعمال المستمر». وهذا الانكماش الاقتصادي يتجسد في تراجع إيرادات الدولة، حيث تعاني الدولة من انخفاض العوائد التشغيلية والضريبية مقارنة بالإنفاق، فضلا عن ازمة شح السيولة ( الدولار والليرة)، وفاتورة المولدات الخاصة التي تشكل العبء الأثقل بعدما واصلت ارتفاعها بوتيرة ملحوظة، خصوصا مع ارتفاع أسعار المحروقات، والأهم أن هذه الموجة في غلاء الأسعار تطال أيضا فواتير الكهرباء (الدولة). وأوضح التنير، أن لبنان مقبل على انفجار اجتماعي كبير إذا بقي الحال على ما هو عليه الآن، مشيرا الى امتداد الأزمة الاقتصادية-السياسية لأربعة أشهر إضافية يعني أن العديد من الشركات الخاصة قد تشهد اقفالا لأبوابها أو لجوءاً الى الصرف القسري للموظفين وتخفيض الرواتب متخوفا من استمرار الحرب حتى الخريف مع تزايد المخاوف في ظل ضبابية المشهد، بالرغم من وجود رغبة في التهدئة خلال فترة المونديال.
وأكد التنير، أن الحركة التجارية في لبنان سجلت تراجعا فعليا تخطى حاجز ال50%، ويعزى هذا الانكماش الى تراجع القدرة الشرائية ، وتغير أولويات الانفاق حيث تركز الأسر على المواد الغذائية والاساسية بدلا من السلع الكمالية. مشيرا الى ان الخوف على لبنان في ظل الأزمات المركبة أمر مشروع، فالبلد يواجه حاليا تحديات هي الأكبر في تاريخه، مما يجعل استمرار صموده أشبه» بالشمعة» التي تحترق لتضيء وسط الظلام. وأضاف، تواجه آلاف الشركات الكبيرة منها والمتوسطة والصغيرة اليوم خطر التعثر والاقفال الفعلي، مما ينذر بتفاقم أزمة البطالة ويدفع البلاد نحو حافة الانفجار الاجتماعي، في ظل غياب القروض التقليدية من المصارف التجارية، مركزا على ازمة سيولة في السوق اللبناني، لافتا الى ان نسبة التضخم في لبنان ارتفعت ووصلت الى حدود 17% الى 20%، مؤكدا حالة الركود الاقتصادي التي تشهدها الأسواق اللبنانية نتيجة تراكم الأزمات وتداعيات الحرب المستمرة التي عمّقت تضخم الأسعار.
ورداً على سؤال، يؤكد التنير، أنه رغم صعوبة الإجراءات وتراكم العقبات، لا يزال هاجس الهجرة يسيطر على تفكير الشباب اللبناني يحسبونها « آلية نجاة» في ظل الانهيار الاقتصادي، الشباب اللبناني يبحث عن الاستقرار رغم الغربة، بعيدا عن تقلبات الداخل، ورغم ان هناك تراجعا في الاعمال في أوروبا إلاّ في بعض المجالات مثل التمريض ،والبرمجة، والتسويق ( Marketing ) واللبناني في هذه الاختصاصات مبدع ومميز ويترك بصمات حقيقية.
وفي ظل هذا الانكماش، يوضح التنير، أن استيراد السلع غير الضرورية والكماليات انخفض بشكل حادّ حيث بات التركيز منصبا على السلع الأساسية، ومع ذلك، نتمسك دائما بالأمل هو تلك النافذة التي تفتح آفاقا جديدة مهما كانت الظروف المحيطة بنا قاسية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.