على هامش النقاش حول مقترح إلغاء عقوبة الإعدام 3+4

5

بقلم الشيخ مظهر الحموي

عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى

المعاني السامية والحكمة الرائعة من قوله سبحانه وتعالى

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾

بعد أن تناولنا في الحلقتين السابقتين جملةً من الطروحات التي رافقت النقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام، ووقفنا عند ما يثار من حججٍ باسم حقوق الإنسان والرحمة بالمجرم، يبقى أن نضع القضية في موضعها الأوسع: موضع العدالة التي لا تنحاز إلى الجاني على حساب المجني عليه، ولا تجعل من الرحمة بالقاتل غفلةً عن حق القتيل.

إن النقاش في عقوبة الإعدام ليس نقاشاً حول عقوبةٍ فحسب، ولا هو مفاضلةٌ بين القسوة والرحمة ، بل هو نقاشٌ يمسّ جوهر نظرتنا إلى الإنسان، وإلى حرمة الحياة، وإلى وظيفة الدولة، وإلى حق المجتمع في الأمن، وإلى الحدود التي ينبغي أن تقف عندها الحرية حين تتحول إلى إعتداء على حياة الآخرين.

ولعلّ أخطر ما في هذا النقاش أن تختلط المفاهيم ، فتُرفع راية الرحمة حيث ينبغي أن تُرفع راية العدالة، ويُستحضر حق المجرم حتى يكاد يغيب حق الضحية، ويُنظر إلى العقوبة وكأنها انتقامٌ محض، لا وسيلة من وسائل حماية المجتمع وصيانة أمنه وإستقرار حياته.

إن الرحمة في مفهومها الصحيح لا تعني أن نغلق أعيننا عن الدماء التي أُريقت، ولا أن نطلب من أمٍّ ثكلى وزوجةٍ مفجوعة وأبٍ مكلوم أن يتناسوا ما حلّ بهم باسم التسامح. فالرحمة التي لا ترى دمعة المظلوم ليست رحمةً كاملة، والعدالة التي لا تصغي إلى أنين الضحية ليست عدالةً مكتملة.

ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى ميزان الشريعة الإسلامية، لا باعتبارها مجرد منظومة عقوبات، بل باعتبارها تشريعاً متكاملاً أقام موازين دقيقة بين الرحمة والردع، والعفو والقصاص، وحق الفرد وحق الجماعة. فلم تجعل العقوبة غايةً في ذاتها، ولم تجعل العفو واجباً على من فقد حقه، بل أبقت أبواب الرحمة مفتوحة، وأقامت في الوقت نفسه سياجاً يحول دون أن تصبح الجريمة فعلاً بلا ثمن.

وفي هذه الحلقة الأخيرة، سنحاول أن نقترب أكثر من جوهر المسألة: ماذا أراد الإسلام من القصاص؟ ولماذا قال الله تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾؟

وهل كان القصاص في الشريعة إزهاقاً للحياة، أم حمايةً لها؟ وهل إلغاء العقوبة، في كل زمان ومكان، دليلٌ على رقي المجتمعات، أم أن لكل مجتمعٍ أن يختار من التشريعات ما ينسجم مع أمنه وقيمه وواقعه؟

إنها أسئلة لا ينبغي أن تُجاب بانفعالٍ عابر، ولا بشعاراتٍ براقة، وإنما بعقلٍ يتدبر، وضميرٍ يستشعر، وعدالةٍ ترى الإنسان في جانبي المعادلة: مجرماً كان أم ضحية، فرداً كان أم مجتمعاً.

ومن هنا نتابع، في هذه الحلقة الأخيرة، ما بدأناه، راجين أن يكون الحوار حول عقوبة الإعدام حواراً هادئاً يطلب الحقيقة، لا سجالاً ينتصر فيه طرفٌ على طرف؛ فغاية التشريع في نهاية المطاف ليست إيلام الإنسان، وإنما صيانة الإنسان، وحفظ الحياة، وإقامة العدل، ومنع الظلم قبل أن يقع، وبعد أن يقع. .

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

وقد استفاض المفسرون والشارحون لآية القصاص، ولو جمعت هذه التفاسير المختلفة في كتاب واحد لحظينا بمجلدات ضخمة نفيسة معمقة حول مفهوم العقاب في الإسلام إنطلاقأ من هذه الآية الكريمة التى تختصر ببلاغتها وفصاحتها وإيجازها مغزى القصاص ومقاصده.

ولكم، أيها الناس، أفراداً أم مجتمعاً بأسره ، تتوجه اليكم هذه الآية العظيمة، والقرآن الكريم كله انزل على الناس هدىً ورحمةً وسعادةً في الدراين، فعلينا أن نمتثل ونتعظ ونطيع هذه الأحكام، فالشقاء لنا ولأسرنا ولمجتمعاتنا إن لم نتدبر ونذعن.

في القصاص، أي العاقبة بالمثل وهو ضرورة للمنحرفين منكم حتى لا يطغى أحد على آخر، والله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم تتجلى حكمته ورحمته على الجميع، وفيهم الخاطئون والمذنبون والمجرمون والمعتدون على حدوده.. وتتنوع رحمته بتنوع الخطيئة ومدى خطورتها وعزم صاحبها وأثرها وضررها ومؤداها…

حياة، وانتعاش وإشراقة تنير الافئدة وتحقق السعادة للجميع على السواء- وكم توقف المفسرون عند هذه الكلمة الموحية المتدفقة التى تستشرف مغزى القصاص.

فهى حياة، لهذا المعتدي. كيف؟ ذلك بأن العقاب في الدنيا قد يدرأ عقاب الآخرة فلا يجازى عندها بجريمته الدنيوية.

وهي حياة، لذوي الضحية .نعم لأن العقاب الذى نفذ بحق المعتدى قد منع اهل الضحية

من التفكير بأخذ الثار بشكل أو بآخر ، ووضع حدٱ لما كنا نسمع عنه من جرائم الثأر إمتدت قروناً ، كان يمكن أن نوقفها لو نفذ في القاتل الحكم الشرعي.. وأيضاً فإن القصاص يهدئ من أعصـاب ذوي الضحية ويحيي فيهم الأمل بالعدالة المتفشية بالمجتمع ويعينهم على معاودة اعمالهم بكل هدوء وطمأنينة وهي حياة، للمجتمع بأسره فإن المجرم إذا ما أيقن أن الإعدام ينتظره إن هو أقدم على سفك الدماء فإنه سيحجم عن القتل ويكون الإعدام رادعأ له وهكذا يسلم المجتمع من الجرائم والقتل وسفك الدماء.

مع الملاحظة هنا أن الشريعة الإسلامية تحض على العفو في الآية السابقة لآية القصاص بقوله تعالى: فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف واداء اليه باحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب آليم .

ولن نتوقف مطولآ عند هذه الآية العظيمة التى تحث على التراحم والتعاطف وإسقاط الحق دليل الرحمة بن الناس ولكن ما نود الاشارة اليه للغافلة قلوبهم هو أن الإسلام لا يبتغي من حدوده واحكامه ان ينقض على المجرمين المذنبين ليتشفى منهم بقسوة عنف كما يحاولون تصوير ذلك في اعلامهم اليهودي أبدأ على العكس، فآية الرحمة والعفو سبقت آية القصاص وأقرت الشريعة بتخفيف الحكم وحتى بتبرئة الجاني والعفو عنه اذا اسقط اهل الضحية حقهم، يا لروعة الإسلام.. وليست كلمة حياة، تخص الفرد فقط بل انها تتوسع في افقها ومدلولاتها لتشمل المجتمع بأسره في دلالة واضحة بان القصاص والضرب على يد المجرم الجاني يتيح للمجتمع بان يعيش محياة، نسبة الجرائم ويرفل سعيدة مطمئنة تتدنى فيها فيهاامواطنونبالأمن والأمان. وهلتبغي الشريعة الإسلامية سوى سعادة البشر؟

يا أولي الألباب، يا من تمتلكون العقول النيرة وتـتعون بأنكم تعملون لوضع نظريات وقوانين لاسعادالفرد والمجتع، عليكم أن تتدبروا آية القصاص هذه وتعتمدونها شرعة ربانية تريحكم من العذاب والمجاهدة في التفتيش عن قوانن وضعية وقد يسرت لكم شريعة الله عناء الإجتهاد والابتكار.

لعلكم تتقون، أي لعلكم تحذرون الوقوع في هذه الجريمة أو تلك مرة ثانية، وقيل لعلكم تتورعون ويتغلغل الإيمان مجددأ في قلوبكم بعد ان نفذ القصاص في الجاني، فترتاح أفئدتكم وتنعم نفوسكم وتهدأ أعصابكم، وقيل ايضا في التفسير لعلكم تعتبرون والله أعلم.

فما رأي المتباكين على حقوق الانسان، وما رأي كل من له علاقة بالجريمة، الجاني والمجني عليه وذوي الضحية والمجتمع كله….

الشيخ مظهر الحموي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.