عندما تضلّ السهام طريقها، وتخطئ البوصلة…
بقلم دافيد عيسى
منذ الثامن من تشرين الأول 2023، مع انطلاق ما سُمّي بـ«حرب الإسناد»، لم يعد اللبنانيون أمام حرب واحدة فحسب، بل وجدوا أنفسهم في مواجهة حربين متوازيتين ومتداخلتين:
– حرب عسكرية تُخاض على الأرض.
– وأخرى إعلامية تدور على الشاشات والمنصات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي.
وبينما تُقاس نتائج الحرب العسكرية بحجم الدمار والخسائر في الأرواح والممتلكات، تُقاس نتائج الحرب الإعلامية بمدى قدرتها على إلحاق الضرر بعقول الناس، وتوجيه النقاش العام في اتجاه واحد، وتعطيل التفكير المنطقي والموضوعي، وفرض رواية على حساب أخرى.
وفي نهاية المطاف، قد تكون خسائر الحرب الإعلامية، وإن اختلفت طبيعتها، مساوية في خطورتها لخسائر الحرب العسكرية.
وفي مثل هذه الأجواء غير الصحية، تتراجع الموضوعية لحساب الاصطفاف الأعمى، وتتحول بعض المنابر الإعلامية إلى ساحات للشتم والتخوين والتهديد.
وفي خضم هذا المشهد، خرج علينا نفر نصّبوا أنفسهم «محللين استراتيجيين عابري القارات»، فيما لا يمت خطابهم إلى التحليل أو الاستراتيجية بصلة، بقدر ما يقوم على التطبيل والتزمير والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور.
وهو خطاب يكشف، في جوهره، إفلاسًا في الحجة وعجزًا عن مواجهة الرأي بالرأي، والاحتكام إلى المنطق والعقل.
لقد تجاوز هؤلاء كل حدود الاختلاف المشروع في الرأي، ونسفوا أبسط قواعد الحوار والنقاش المسؤول، حين لجأوا إلى التخوين والتهديد والترهيب.
وهم، بذلك، لا يحاولون مناقشة الرأي المخالف أو تفنيده، بل يسعون إلى إسكات أصحابه وإرهابهم، معتمدين ان إسكات الرافضين للحرب هو إنجازٌ يفوق في أهميته وتأثيره نتائج الحرب نفسها.
أما ما هو غير مقبول في بلد يتغنّى بالحوار والديمقراطية والعيش الواحد، هو إصرار هؤلاء على تقسيم المجتمع اللبناني إلى «فسطاطين»:
– فسطاط الخير، الذي يضم المؤيدين للحرب.
– وفسطاط الكفر والشر، والذي يضم الرافضين للحرب.
وهكذا، لم يعد الانقسام بين اللبنانيين مجرد اختلاف في الموقف من الحرب، بل تحوّل، على أيدي هؤلاء، إلى شبهة في الانتماء الوطني.
إن التوقف عند هذا الخطاب لم يعد ترفًا فكريًا ولا مجرد سجال سياسي عابر، بل أصبح ضرورة وطنية، ليس بسبب حدّة مفرداته وخطورتها فحسب، وإنما لما تنطوي عليه من رسائل ودلالات تتجاوز حدود الخلاف السياسي، لتصل إلى محاولة فرض تعريف أحادي لمفهوم الوطنية، وتحديد من يحق له أن يُصنَّف وطنيًا ومن يُدفع إلى خانة الاتهام والتخوين.
ولعل أكثر ما يدعو إلى الاستغراب تلك العبارة التي تتكرر على ألسنة بعض باعة الوهم المنظّم:
«ستنتهي الحرب ونتحاسب».
لكن السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه هو:
– مع من سيكون الحساب؟
– هل سيكون الحساب مع الذين حذّروا منذ البداية من مغبّة الحرب، ونبّهوا إلى أثمانها الباهظة، وحاولوا، ولو بالنصيحة، أن يجنّبوا البلاد والعباد ما يمكن أن تخلّفه من موت ودمار وخراب؟
فارتفاع الصوت والتهديد ليسا دليلًا على صواب الموقف، ومن يملك الحجة ويثق بصواب موقفه لا يخشى الرأي الآخر.
لكن الأخطر من الخطاب التهديدي هو الاستنتاج الذي ذهب إليه بعض هؤلاء، ومفاده أن من عارض الحرب هو نفسه من يتحمل مسؤولية ما أفرزته من دمار وتهجير ومآسٍ إنسانية وخسائر في الأرواح.
وبحسب هذه «العبقرية التحليلية»، لا تعود مسؤولية ما خلّفته الحرب من قتل ودمار وتهجير على إسرائيل، ولا على من اتخذ قرار خوضها، بل تُحمَّل لمن عارضها وحذّر منها ونبّه إلى مخاطرها.
وهنا يصبح الخلط بين الموقف السياسي والمسؤولية عن القرار أكثر من مجرد مغالطة؛ إذ يتحول إلى محاولة لتغيير وجهة المساءلة نفسها.
فمن حذّر من الحرب لا يملك قرار إشعالها، ومن اعترض عليها بالكلمة لا يملك قرار خوضها، ومن طالب بتجنيب لبنان كلفتها لا يتحول، بمجرد اختلافه السياسي، إلى شريك في نتائجها.
لقد كلّفت الحرب لبنان أثمانًا باهظة، من سقوط آلاف الشهداء والجرحى إلى دمار القرى والمنازل والبنى التحتية، ونزوح عشرات الآلاف، فضلًا عن تداعيات اقتصادية واجتماعية وإنسانية لا يمكن اختزالها في أرقام.
إن رفض الحرب لا يعني تبرئة إسرائيل من جرائمها، كما أن إدانة العدوان الإسرائيلي لا تقتضي إقفال باب النقاش الداخلي حول القرارات التي أوصلت لبنان إلى هذه المواجهة.
ومن حق أي لبناني، انطلاقًا من رؤيته لمصلحة وطنه، أن يرفض الحرب أو يعتبر أنها لا تخدم لبنان، ما دام يمارس هذا الحق بالوسائل السلمية، ومن خلال الكلمة والرأي، وفي إطار الدستور والقانون.
فالاختلاف السياسي ليس خيانة، والوطنية ليست حكرًا على فريق دون آخر، ولا يجوز اختزالها في تأييد خيار سياسي بعينه.
ويبقى السؤال الجوهري: هل كان بوسع هذا الاعتراض، الذي لم يتجاوز حدود التعبير السلمي عن الرأي، أن يغيّر قرار الحرب أو يؤثر في قرارات من امتلكوا سلطة اتخاذها؟
وإذا كان الجواب بالنفي، فلماذا يُحوَّل الرافض للحرب إلى متهم؟ ولماذا تُحمَّل له مسؤولية قرار لم يتخذه، بل عارضه وحذّر من عواقبه؟
ثم كيف يمكن لهذا الخلط، بقصد أو بغير قصد، أن يفضي إلى تمييع مسؤولية من اتخذوا قرار الحرب فعلًا، تلك الحرب التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وصولًا إلى تمييع مسؤولية إسرائيل عن ما ترتّب عليها من قتل ودمار وتهجير ومآسٍ؟
لقد حذّر من عارضوا الحرب من تداعياتها على لبنان.
وقد أثبتت الوقائع حجم تلك الكلفة الباهظة، بدءًا من الخسائر البشرية، وصولًا إلى النزوح الكبير، مرورًا بالدمار الواسع الذي طال الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وصولًا إلى استشهاد عدد كبير من قيادات الصف الأول في حزب الله، وفي مقدّمهم الأمينان العامّان السابقان للحزب، السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين.
ومهما اختلفت القراءات السياسية، تبقى هذه الوقائع كفيلة بإثبات أن الحرب لم تكن حدثًا عابرًا، بل محطة تركت آثارًا عميقة في الدولة والمجتمع.
ومن الطبيعي أن تنقسم الآراء حيال حرب بهذا الحجم. فمن حق من أيّدها أن يعبّر عن موقفه بحرية ويدافع عن هذا القرار، كما أن من حق من عارضها أن يعلن رفضه لها بالحرية نفسها.
لكن ليس من حق أي طرف أن يحوّل موقفه السياسي إلى معيار وحيد للوطنية، أو أن ينصّب نفسه قاضيًا على وطنية الآخرين.
وحين يصبح المطلوب من اللبناني أن يثبت وطنيته من خلال تأييد خيار محدد، نكون قد تجاوزنا حدود الاختلاف الطبيعي، ودخلنا في منطقة أكثر خطورة: مصادرة حق المواطن في التفكير والاعتراض والمساءلة.
وعندما ينشغل اللبنانيون بمحاكمة بعضهم بعض يتحول الانقسام الداخلي إلى مكسب مجاني لإسرائيل، التي لطالما استفادت من تصدّع الجبهة الداخلية.
إن لبنان يحتاج إلى إعلام يفتح أبواب النقاش ويحترم حق الاختلاف، ويؤمن بأن قوة الوطن لا تكمن في تطابق الآراء، بل في قدرة أبنائه على إدارة اختلافاتهم ضمن الأطر الديمقراطية، بعيدًا عن التخوين والتحريض والتهديد.
فإذا كان من واجب الجميع إدانة العدوان الإسرائيلي ورفض الاعتداء على لبنان، فمن الواجب أيضًا صون حق اللبنانيين في النقاش والمساءلة والتعبير الحر عن آرائهم.
ومن يريد أن يحاسب، فليبدأ أولًا بتحديد معنى «الحساب»: هل هو نقاش سياسي ديمقراطي؟ أم مساءلة قانونية؟ أم أنه مجرد تهديد مبطّن لكل من تجرأ على قول «لا»؟
لأن الديمقراطية التي يصبح فيها الاعتراض مدخلًا إلى التهديد، والرأي المختلف تهمة تستوجب الحساب، عندها يتحول لبنان إلى مساحة ضيقة لا يتسع فيها إلا لصوت واحد.
وفي الختام على هؤلاء ان يعرفوا، ان هذه الخطابات لا تنتج إلا مزيدًا من الانقسام، ولا تحمي وطنًا، ولا تستعيد حقًا، ولا تصنع مستقبلًا.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.