قانون العفو… فلنحمِ المظلوم من الظلم، ولْنحمِ الشهيد من النسيان

1

بقلم دافيد عيسى

يُقرّ قانون العفو العام، في العادة، في أعقاب الحروب الأهلية، بهدف طيّ صفحة الماضي وفتح الطريق أمام المصالحة الوطنية بين الطوائف والأحزاب.

أما العفو الذي أُقرّ في الجلسة النيابية الأخيرة، فقد أُقرّ على عجل، من دون مراعاة كافية لمشاعر أصحاب العلاقة، وفي مقدّمهم أهالي شهداء الجيش والمؤسسة العسكرية، ومن دون التوقف بما يكفي عند تداعياته وانعكاساته على حقوقهم وتضحيات أبنائهم.

إنّ العفو عن الجرائم التي ارتُكبت في ظل قيام الدولة، واستهدفت الجيش والمؤسسات الأمنية وأدّت إلى استشهاد ضباط وعسكريين، لا يمكن التعامل معه كأي ملف عادي، لما لهذه الجرائم من مساس مباشر بالأمن والاستقرار، وارتباط وثيق بتضحيات المؤسسة العسكرية وشهدائها.

وعليه، فإنّ أي قرار في هذا الشأن ينبغي أن يُتخذ بالتنسيق والتشاور مع أصحاب الحق، وفي مقدّمهم أهالي شهداء المؤسسة العسكرية وقيادة الجيش، بما يضمن احترام حقوقهم وصون تضحياتهم.

فالعدالة والمصالحة الحقيقيتان لا تتحققان بتجاوز حقوق من قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن.

لكن، في المقابل، لا بد من الإقرار بأننا لسنا من حيث المبدأ، ضد قانون العفو العام، ولا سيما أنّ هناك مظلومين يستحقون الإنصاف، وموقوفين أمضوا سنوات خلف القضبان من دون محاكمات، نتيجة البطء القضائي وتعطّل المحاكم وتعقيدات الإجراءات.

كما لا يمكن تجاهل المأساة التي يعيشها السجناء والموقوفون في ظل اكتظاظ السجون وظروف الاحتجاز غير الإنسانية، وما يرافق ذلك من نقص في الرعاية الطبية والغذاء، وانتهاكات متكررة، فضلًا عن تسجيل حالات وفاة.

كذلك، هناك ملفات أمنية بالغة التعقيد، وأشخاص لا يملكون القدرة القانونية أو المادية التي تمكّنهم من الدفاع عن أنفسهم بالشكل الذي يكفل حقوقهم.

وهؤلاء يستحقون عفوًا عادلًا ومدروسًا، يقوم على التمييز بوضوح بين من وقع عليه الظلم ويستحق الإنصاف، وبين من ارتكب جرائم خطيرة بحق الدولة أو الجيش أو القوى الأمنية.

فالعدالة تقتضي إنصاف المظلومين ورفع الغبن عنهم، لكن من دون أن تتحوّل معالجة المظالم إلى انتقاص من حقوق الضحايا وأهالي الشهداء، أو إلى وسيلة لإسقاط المسؤولية عن مرتكبي الجرائم الخطيرة.

ومن هنا، فإن أي قانون للعفو العام يجب أن يكون عادلًا ومدروسًا ومتوازنًا؛ يحفظ حقوق المظلومين من جهة، ويصون حقوق الضحايا وهيبة الدولة وسيادة القانون من جهة أخرى.

كما أن أي نقاش حول الجيش وشهدائه يجب ألا ينزلق، ولو عن غير قصد، إلى وضع طائفة في مواجهة المؤسسة العسكرية.

شهداء الجيش اللبناني ليسوا من طائفة واحدة ولا من مذهب واحد، بل هم أبناء لبنان بكل طوائفه ومناطقه.

سقطوا وهم يرتدون الزي العسكري، ولم يقدّموا للقاتل هوياتهم ليسأَل عن طائفتهم أو مذهبهم قبل أن يقتلهم.

كانوا بالنسبة إليه جنودًا في الجيش، وكانوا في حقيقتهم أبناء وطن واحد.

لذلك، لم يكن دمهم يومًا دم طائفة بل دمًا لبنانيًا صافيآ سال دفاعآ عن الوطن.

وهنا تبرز مسألة أساسية، وهي أن رئيس الحكومة لم يكن موفقًا في موقفه من وزير الدفاع ميشال منسى.

فقد كان من الضروري أن ينقل وزير الدفاع بوضوح موقف المؤسسة العسكرية وهواجسها إلى جلسة مجلس النواب، ولا سيما أن الجيش هو الجهة الأكثر ارتباطًا بهذا الملف، سواء لناحية الجرائم التي طالت العسكريين، أو حقوق الشهداء وذويهم، أو التداعيات التي قد تنجم عن إقرار عفو واسع النطاق.

ووزير الدفاع، بحكم موقعه ومسؤوليته، يشكّل حلقة الوصل بين المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية، ومن واجبه أن ينقل موقف الجيش وهواجسه، لا أن يتحدث عن موقف شخصي أو طائفي.

ومن هنا، فإن الدفاع عن موقف المؤسسة العسكرية لا يمكن أن يُفسَّر على أنه وضع للجيش في مواجهة طائفة لبنانية كريمة.

فشهداء الجيش ينتمون إلى مختلف الطوائف والمذاهب والمناطق، والجيش نفسه مؤسسة وطنية جامعة، يتساوى فيها الجميع تحت راية الوطن.

ووزير الدفاع ميشال منسى، بحكم مسيرته العسكرية الطويلة، يعرف هذه المؤسسة من الداخل، ويدرك طبيعة التحديات التي تواجه العسكريين.

لذلك، كان الأجدى بمجلس النواب أن يستمع إلى موقفه، باعتباره لا يعبّر عن رأي شخصي، بل عن موقف المؤسسة العسكرية وهواجس أهالي الشهداء، وأن تتم مناقشة هذا الموقف انطلاقًا من أبعاده الوطنية والعسكرية، بعيدًا عن تحويله إلى سجال سياسي أو طائفي يُخرج القضية عن جوهرها وأساسها.

فمن واجب الجميع حماية معنويات الجيش اللبناني والعسكريين وحقوق الشهداء عندما يكون القانون المطروح مرتبطًا مباشرة بتضحياتهم.

صحيح، هناك مظلومون في السجون، ونحن ضد الظلم.

لذلك، كان من الأفضل للجميع، وتجنبًا للدخول في مثل هذه السجالات، أن تُدرس حالة كل واحد من هؤلاء المحكومين على حدة، وأن يُمنح كل إنسان حقه في محاكمة عادلة ومنصفة، بما يكفل رفع الظلم عنه وإحقاق العدالة بحقه.

لأن معالجة الظلم لا تكون من خلال عفوٍ شامل يُساوي بين الحالات المختلفة، فهناك فرق جوهري بين مظلومٍ يستحق الإنصاف ورفع الظلم عنه، وبين من ارتكب جريمةً خطيرة ويتعيّن عليه تحمّل مسؤولية أفعاله ومواجهة تبعاتها.

وهناك فرق بين من تأخر القضاء في ملفه، وبين من شارك في  قتل عسكريًا أو شارك في أعمال تهدّد أمن البلد.

كان الأجدى أن يكون هناك مسار واضح تُدرس خلاله الملفات حالةً حالة، وفق معايير قانونية وقضائية واضحة، وبالتنسيق مع قيادة الجيش وأهالي الشهداء، خصوصًا في القضايا التي طالت أبناء المؤسسة العسكرية.

فالعفو الذي يُقرّ بعد دراسة متأنية لكل حالة، وبعد التمييز بين المظلوم ومن ارتكب جريمة خطيرة، يمكن أن يكون مدخلًا إلى العدالة والإنصاف.

أما التسرع في إقرار قانون واسع من دون هذه الضمانات، فقد يؤدي إلى نتيجة خطيرة: أن يذهب الصالح بظهر الطالح، وأن يوضع المظلوم ومن ارتكب الجرائم الخطيرة في ميزان واحد.

نحن لا نريد دولة تنتقم، ولا نريد سجونًا مليئة بالمظلومين.

لكننا، في الوقت نفسه، لا نريد دولة تجعل التضحية من أجلها بلا قيمة، أو تجعل دم الشهيد قابلًا للنسيان عند أول استحقاق سياسي.

إنّ العسكري الذي يتوجّه إلى الميدان وهو على استعداد للتضحية بحياته دفاعًا عن الوطن، يستحق أن يطمئن إلى أن دمه لن يذهب هدرًا، وأن من يعتدي عليه أو يقتل رفيقه في السلاح لن يجد في نهاية المطاف من يعفيه من المسؤولية أو يحول دون محاسبته على جريمته.

وأهل الشهداء يحتاجون بدورهم إلى أن يشعروا بأن دم أولادهم لم يتحوّل إلى تفصيل في معادلة سياسية.

بعد إقرار القانون بهذه الصيغة، فلنسأل أنفسنا بكل صراحة:

ماذا سيقول قائد الجيش

للعسكري الذي سيخرج غدًا في مهمة محفوفة بالخطر؟ هل سيقول له: اذهب وعرّض نفسك للخطر، فالدولة ستحميك؟

أم أن سؤالًا مشروعًا سيبقى في داخل هذا الجندي: ما قيمة تضحياتي، إذا كان من الممكن أن يأتي غدًا قانون آخر فيلغي ما اعتقدت أنه حق ثابت لي ولعائلتي؟

إذا كنا نريد مصالحة حقيقية وعدالة تحفظ حقوق الجميع، فعلينا أن نبدأ من احترام الجميع: المظلوم، والضحية، والعسكري، وعائلة الشهيد.

فلنحمِ المظلوم من الظلم، ولْنحمِ الشهيد من النسيان، ولْنحمِ الجيش فهو العمود الفقري لهذا الوطن.

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.