لقاء أردوغان وعون: آفاق التعاون الإقليمي وتحديات السيادة / 2
المحامي أسامة العرب
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا الملف تكمن في ارتباطه بمستقبل الاستقرار الإقليمي. فاستمرار التصعيد الإسرائيلي يهدد بتوسيع نطاق المواجهات وجر المنطقة إلى دوامة جديدة من العنف وعدم الاستقرار، وهو ما يدفع العديد من الدول الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا، إلى البحث عن أدوار أكثر فاعلية في احتواء الأزمات ومنع انفجارها.
سادساً: البعد السوري في العلاقات التركية–اللبنانية
من بين القضايا الأكثر حساسية التي تناولها اللقاء مسألة العلاقات اللبنانية–السورية. فلبنان وسوريا يرتبطان بعوامل جغرافية وتاريخية واقتصادية تجعل من الصعب الفصل بين استقرار أحدهما واستقرار الآخر.
وفي هذا السياق، فإن تأكيد الرئيس أردوغان أهمية استمرار الحوار بين بيروت ودمشق واستعداد بلاده للمساعدة في تطوير هذه العلاقة يحمل أبعادًا استراتيجية متعددة. فمن جهة، يعكس إدراكًا تركيًا بأن استقرار لبنان لا يمكن عزله عن تطورات الساحة السورية. ومن جهة أخرى، يشير إلى رغبة أنقرة في لعب دور الوسيط أو المساهم في بناء جسور التواصل بين دول المنطقة.
كما أن هذه المقاربة تنسجم مع التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الأخيرة، والتي اتجهت نحو تخفيض مستويات التوتر والانفتاح على مسارات جديدة للحوار الإقليمي، إدراكًا منها أن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التعاون والتفاهم بين دول المنطقة.
سابعاً: الاقتصاد وإعادة الإعمار… الفرصة الكامنة في الشراكة التركية–اللبنانية
بعيدًا عن الملفات السياسية والأمنية، تشكل العلاقات الاقتصادية أحد أهم المحاور التي يمكن أن تمنح الشراكة التركية–اللبنانية بعدًا استراتيجيًا طويل الأمد.
فتركيا تمتلك اقتصادًا متنوعًا وقاعدة صناعية متقدمة وخبرات واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والإسكان وإدارة المرافئ. وفي المقابل، يحتاج لبنان إلى استثمارات خارجية وشراكات تنموية تساعده على تجاوز واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث.
وتبرز هنا إمكانات كبيرة للتعاون في مجالات إعادة إعمار المناطق المتضررة، وتطوير المرافئ والمطارات، وتعزيز التبادل التجاري، وتشجيع الاستثمارات المشتركة، ودعم قطاعي السياحة والخدمات. كما يمكن للخبرة التركية في إدارة الأزمات الاقتصادية والتحولات التنموية أن توفر نماذج وتجارب مفيدة للبنان في مسار الإصلاح الاقتصادي.
غير أن نجاح هذه الشراكة يظل مرتبطًا بقدرة لبنان على تنفيذ إصلاحات هيكلية تعيد الثقة إلى بيئته الاستثمارية وتوفر الضمانات القانونية والمؤسسية اللازمة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
ثامناً: التحديات التي تواجه الشراكة المستقبلية
رغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالزيارة، فإن الطريق نحو شراكة استراتيجية متكاملة لا يخلو من العقبات والتحديات. فلبنان ما يزال يواجه انقسامات سياسية عميقة وأزمات اقتصادية خانقة، فيما تشهد المنطقة تنافسًا محتدمًا بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى توسيع نفوذها.
كما أن أي تقارب لبناني مع قوة إقليمية معينة قد يُقرأ من قبل أطراف أخرى ضمن سياق التنافس الجيوسياسي القائم، الأمر الذي يفرض على لبنان اعتماد سياسة خارجية متوازنة تحفظ مصالحه الوطنية وتجنبّه الانخراط في محاور متصارعة.
ومن جهة أخرى، فإن نجاح الدور التركي في لبنان سيبقى مرهونًا بمدى قدرته على التوفيق بين مصالحه الاستراتيجية واحترام خصوصية الساحة اللبنانية وتعقيداتها الداخلية.
في الختام، إن اللقاء الذي جمع الرئيس رجب طيب أردوغان بالرئيس جوزيف عون يمثل أكثر من مجرد محطة دبلوماسية عابرة؛ فهو يعكس تقاطعًا بين إرادة لبنانية تسعى إلى استعادة الدولة وتعزيز السيادة، ورؤية تركية تطمح إلى ترسيخ دور إقليمي فاعل قائم على الشراكات والتعاون والاستقرار.
ولقد أظهرت المباحثات وجود أرضية واسعة للتفاهم بين البلدين في ملفات الأمن والدفاع والاقتصاد وإعادة الإعمار والاستقرار الإقليمي. كما كشفت عن إدراك مشترك بأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على الصراعات المفتوحة، بل على الحوار والتكامل واحترام سيادة الدول.
غير أن ترجمة هذه الرؤى إلى واقع عملي ستتطلب إرادة سياسية مستدامة، وإصلاحات داخلية جادة، وتوافقات إقليمية تساعد على تخفيف حدة التوترات. وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، قد يشكل هذا اللقاء نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من العلاقات التركية–اللبنانية، مرحلة يكون عنوانها التعاون الاستراتيجي والتنمية والاستقرار، بما يخدم مصالح الشعبين ويسهم في بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا وأمنًا واستدامة.
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.