مؤتمر باريس: نحو دعم الجيش وتثبيت مؤسسات الدولة / 2

8

بقلم د. ابراهيم العرب

فالهدف النهائي ينبغي أن يكون واضحاً: جنوب لبناني مستقر، تحت سلطة الدولة اللبنانية، وجيش لبناني قادر على حماية الحدود والسيادة، ومجتمع دولي يساعد لبنان على الوصول إلى هذه الغاية. ووسط هذه المعادلة، تستحق فرنسا تقديراً خاصاً للدور الذي تضطلع به في دعم لبنان ومؤسساته الشرعية. ففرنسا لطالما تعاملت مع الجيش اللبناني بوصفه مؤسسة وطنية أساسية للاستقرار، وأظهرت اهتماماً بدعم لبنان في المراحل الصعبة. ويأتي مؤتمر باريس ليؤكد استمرار هذا الدور، خصوصاً في وقت يحتاج فيه لبنان إلى حشد عربي وأوروبي ودولي واسع لمساندة مؤسساته. ومن هنا، لا بد من توجيه الشكر إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على احتضانه هذا المسار وعلى اهتمام فرنسا بدعم الجيش اللبناني، وعلى إدراكها أن استقرار لبنان ليس شأناً لبنانياً محضاً، بل عنصر أساسي من عناصر استقرار شرق المتوسط والمنطقة بأسرها.

إنّ فرنسا، بما لها من حضور دبلوماسي وتاريخي في لبنان، تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في تقريب المواقف الدولية، وفي الدفع باتجاه مقاربة متوازنة تقوم على حماية لبنان وسيادته، وتعزيز مؤسساته، ودعم الجيش، ووقف الاعتداءات، وتوفير الشروط السياسية والأمنية التي تسمح للدولة اللبنانية باستعادة كامل دورها. والأمل أن يتحول مؤتمر باريس من مناسبة تضامنية إلى مسار طويل الأمد لشراكة دولية مع الجيش اللبناني، تتوافر له آليات تمويل واضحة، وبرامج تدريب وتجهيز، وأولويات محددة، وآليات متابعة وتقييم.

كما أن حجم التحديات التي يواجهها الجيش يفرض تجاوز نمط المساعدات الظرفية والمحدودة. فالجيش يحتاج إلى رؤية متكاملة تضمن استدامة قدراته، وليس فقط إلى دفعات من المعدات. وهو يحتاج إلى منظومات حديثة للمراقبة والاستطلاع والاتصال، وإلى قدرات مضادة للمسيّرات، وإلى دعم لوجستي وتقني، وإلى تطوير البنية الرقمية، وإلى قدرات بحرية وحدودية، وإلى تجهيزات لإزالة مخلفات الحروب، فضلاً عن معالجة الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للعسكريين بما يحفظ معنويات المؤسسة ويصون كرامة أفرادها. ولذلك فإن المطلوب من المجتمع الدولي ليس مجرد تقديم مساعدات للجيش، وإنما بناء قدرة وطنية مستدامة للدولة اللبنانية على حماية أراضيها وشعبها. وهذا هو الاستثمار الأكثر جدوى على المدى البعيد؛ لأن الدولة القوية بمؤسساتها أقل كلفة على المجتمع الدولي من دولة ضعيفة تترك فراغاً أمنياً قابلاً للاستثمار من قبل القوى الإقليمية والجماعات المسلحة والشبكات غير الشرعية.

إن مؤتمر باريس لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مؤتمراً لجمع الأموال فحسب، بل باعتباره اختباراً للإرادة الدولية في مساعدة لبنان على استعادة قدرته على إدارة أمنه وحدوده ومصيره. فالجيش اللبناني ليس مجرد مؤسسة عسكرية؛ إنه أحد أهم رموز الدولة، وركيزة من ركائز الوحدة الوطنية، وجسر بين اللبنانيين، وضمانة من ضمانات العيش المشترك. وقد أثبت، في أكثر من محطة، أن الانتماء الوطني يمكن أن يكون أقوى من الانقسامات السياسية والطائفية، وأن المؤسسة العسكرية قادرة على أن تبقى مساحة جامعة حين تتصدع المساحات الأخرى.

وفي هذه المرحلة الدقيقة، يستحق الجيش اللبناني كل دعم وتقدير، كما يستحق قائد الجيش العماد رودولف هيكل كل الثناء على حرصه على حماية المؤسسة العسكرية وصون وحدتها وتماسكها، وعلى مقاربته التي تجعل من الجيش مؤسسة وطنية جامعة لا طرفاً في أي انقسام. كما يستحق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفرنسا شكراً صريحاً على احتضان مؤتمر دعم الجيش، وعلى مواصلة الوقوف إلى جانب لبنان في لحظة يحتاج فيها إلى أصدقاء حقيقيين وإلى مبادرات دولية مسؤولة. لكن النجاح الحقيقي لمؤتمر باريس لن يقاس فقط بحجم الأموال التي ستُجمع، وإنما بمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل هذا الدعم إلى قوة وطنية لبنانية مستدامة، وإلى سيادة فعلية للدولة، وإلى استقرار دائم في الجنوب، وإلى حماية للبنان من دوامة الحرب والفتنة والانقسام.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن يحملها المؤتمر هي أن لبنان لا يطلب من العالم أن يحارب بالنيابة عنه، بل يطلب أن يساعده على امتلاك القدرة التي تمكن مؤسساته الشرعية من حماية أرضه وشعبه. وفي هذا المعنى، فإن دعم الجيش اللبناني هو دعم للبنان، ودعم للدولة، ودعم للعيش المشترك، ودعم لفكرة الوطن نفسه. ويبقى الأمل أن ينجح مؤتمر باريس في فتح صفحة جديدة من التعاون الدولي مع لبنان، وأن يكون الجيش اللبناني، بقيادته وضباطه ورتبائه وعسكرييه، في قلب هذه الصفحة؛ جيشاً موحداً، قوياً، وطنياً، جامعاً، يحمي الحدود ويحفظ الأمن ويصون الوحدة الوطنية، ويبقى كما أراده اللبنانيون: عماد الوطن وحصن الدولة وضمانة الانصهار الوطني والعيش المشترك.

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.