“مجدل شمس” جديدة: من يضمن عدم التصعيد؟
بقلم جوزفين ديب
«أساس ميديا»
في 27 تمّوز 2024، قُتل 12 طفلاً وفتى في ملعب لكرة القدم في مجدل شمس. اتّهمت إسرائيل “الحزب” بإطلاق الصاروخ، ونفى الأخير مسؤوليّته. بعد ثلاثة أيّام، استهدفت إسرائيل الضاحية الجنوبيّة لبيروت، معلنةً أنّها اغتالت القياديّ فؤاد شكر ردّاً على الحادثة. لم تكن مجدل شمس بداية الحرب التي كانت قائمة منذ تشرين الأوّل 2023، لكنّها كشفت كيف يمكن لحادثة يتنازع أطرافها المسؤوليّة والتفسير أن تدفع المواجهة إلى عتبة أخطر.
اليوم، لا أحد يستطيع الجزم أنّ الحرب ستعود، ولا أنّ حادثة بعينها ستشعلها. لكنّ مصادر دبلوماسيّة تحذّر من “مجدل شمس جديدة”، أيّاً يكن عنوانها: أمنيّاً أو سياسيّاً أو اجتماعيّاً. فالوقائع اللبنانيّة تتراكم في لحظة تضغط فيها إسرائيل على لبنان لنزع سلاح “الحزب”، فيما تبدو قدرة الدولة على فرض هذا المسار من دون صدام داخليّ موضع اختبار.
ضغط أوروبيّ على الدّولة… وتهديد إسرائيليّ في الميدان
حملت مسؤولة السياسة الخارجيّة في الاتّحاد الأوروبيّ كايا كالاس خلال جولتها على المسؤولين اللبنانيّين دعوة أوروبيّة واضحة إلى تعزيز سلطة الدولة. قالت إنّ أمن لبنان يجب أن يكون من صلاحيّة الحكومة، وإنّ على لبنان السيطرة على كامل أراضيه، بما يعني التقدّم نحو نزع سلاح “الحزب”. وأعلنت استكمال التخطيط لبعثة أوروبيّة لتدريب الجيش وقوى الأمن ومساندتهما، مع التشديد على أنّ هذه البعثة لا تحلّ محلّ قوّات الطوارىء الدوليّة “اليونيفيل”.
إلّا أنّ الرسائل الدبلوماسيّة التي تصل إلى بيروت، وفق مصادر أوروبيّة، تجمع بين مطالبة الدولة بالقيام بواجباتها والتفهّم بأنّ السلطة لا تريد فتح مواجهة داخليّة. وهذا التوازن هو موضع العقدة: كيف تنتقل الدولة إلى بسط سلطتها وحصر السلاح، فيما يستمرّ الضغط الإسرائيليّ ويتواصل التهديد العسكريّ؟
التصعيد الإسرائيليّ، بحسب القراءة الدبلوماسيّة، لا ينفصل عن هدف نزع السلاح ولا عن ربطه بدور إيران وتوازنات المنطقة. بذلك يصبح لبنان أمام مسارين متوازيَين:
1 ـ ضغط دوليّ يدفع الدولة إلى تنفيذ قراراتها.
2 ـ ضغط إسرائيليّ ميدانيّ لا ينتظر اكتمال قدرة المؤسّسات ولا تسوية الخلافات الداخليّة.
هذه الرسالة لم تأتِ للمرّة الأولى . فبحسب معلومات “أساس”، سبق أن جدّد وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو أمام رئيس الحكومة نوّاف سلام الموقف نفسه الذي سبق أن أُبلغ به رئيس الجمهوريّة جوزف عون: على الدولة أن تبدأ بتنفيذ ما يُطلب منها في ملفّ السلاح، قبل أن تطلب من الخارج خطوات إضافيّة.
وفق ما نُقل عن روبيو، لا يكفي انتشار الجيش في الجنوب ما دام سلاح “الحزب” قائماً، ولا يمكن المطالبة بانسحاب إسرائيليّ إضافيّ قبل إحراز تقدّم في نزع السلاح. هكذا تتكرّر الرسالة الأميركيّة بصيغ مختلفة: على لبنان أن ينجز ما عليه أوّلاً، فيما تتمسّك بيروت بمبدأ التبادليّة وبأن تشمل أيّ خطوات التزامات الطرفين.
المتفجّرات والقلق من الدّاخل
في هذه الأجواء، لا تبدو الموادّ المتفجّرة المضبوطة في ضهر البيدر مجرّد تفصيل أمنيّ عابر. فقد أُوقف شخصان قالت وكالة الصحافة الفرنسيّة إنّهما ينتميان إلى “الحزب” وأحدهما هو ابن أحد المسؤولين، وتحدّثت معلومات التحقيقات الأوّليّة التي أجرتها القوى الأمنيّة عن نقلهما الشحنة من البقاع باتّجاه بيروت. غير أنّ وجهة الشحنة والغاية من نقلها لا تزالان غير واضحتين، ما يدفع التحقيقات إلى التريّث قبل ترجيح أيّ فرضية، مع أن نوعية المضبوطات “500 كيلوغرام من المتفجرات TNT + C4 و200 كيلوغرام من “كرات ومساميير حديدية” تؤشر بطبيعتها إلى الاستعمال الداخلي أي الاغتيالات.
غير أنّ القضيّة تطرح سؤالاً يتجاوز وجهة الشحنة: كيف يُدار ملفّ السلاح في بلد تتداخل فيه المواجهة مع إسرائيل مع الصراع على دور الدولة والتوازنات الداخليّة، وفي بلد يرزح مواطنوه تحت غلاء المعيشة؟ قد يتحوّل أيّ تطوّر أمنيّ إلى مادّة للتعبئة السياسيّة أو إلى شرارة للاحتقان إذا تزامن مع ضغط اجتماعيّ لا تملك مؤسّسات الدولة أدوات كافية لاحتوائه.
جولة ثالثة ليست مستحيلة
ليس في هذه الوقائع ما يثبت أنّ الحرب باتت وشيكة. لكن لا ضمانة أن تنتظر إسرائيل اكتمال المسار السياسيّ أو قدرة الدولة على تنفيذ ما يُطلب منها، إذا رأت أنّ التصعيد يخدم أهدافها. كما لا ضمانة أن تبقى قضيّة أمنيّة كبيرة محصورة في إطارها الأوّل، إذا تضاربت الروايات أو تحوّلت إلى اختبار جديد لهيبة الدولة وسلاح “الحزب”.
“مجدل شمس” قد لا تكون سيناريو جاهزاً للتكرار، بل درس في سرعة انتقال الحوادث من الميدان إلى الحسابات السياسيّة والعسكريّة. وبعد حربين لإسناد غزّة وإيران، لا يملك لبنان ترف التعامل مع احتمال جولة ثالثة بوصفه تهويلاً. السؤال ليس ما إذا كانت الحرب حتميّة، بل ما الذي يمنع لحظة واحدة من دفع البلاد إليها، فيما تتقاطع الضغوط الخارجيّة مع هشاشة الأمن والاحتقان الداخليّ.
جوزفين ديب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.