محمّد صلاح أغنية مصريّة ينشدها الأتراك
بقلم د.سمير صالحة
«أساس ميديا»
ستسمعون المدرّجات تبدّل كلمات أغنية تركيّة قديمة ومشهورة لإبراهيم طاطليساس، المطرب الشعبيّ المعروف، وتحوّلها إلى هتاف باسم لاعب مصريّ عالميّ. هتاف يقول أكثر بكثير من مجرّد الترحيب بنجم جديد: “يسجّل الهدف ثمّ يذهب إلى السجود… (محمّد) صلاح هو مدار افتخار (فريق) طرابزون سبور”.
لم تكن كرة القدم يوماً من الملفّات التي أجيد الاقتراب منها. كانت لي معها محاولة مبكرة في سنّ المراهقة، انتهت سريعاً في “نادي السهام” بحيّ المصيطبة في العاصمة اللبنانيّة بيروت. خمس دقائق من الاختبار كانت كافية لأكتشف أنّ علاقتي بالكرة ستبقى من خلال الشاشات، لكنّ ما حدث لمحمّد صلاح في مدينة طرابزون الواقعة شمال شرقيّ تركيا، يستحقّ أن أتجاوز مشكلتي مع الكرة، ومشكلة الكرة معي.
صلاح يدخل ذاكرة مدينة طرابزون التّركيّة
الوصول إلى العالميّة ليس نهاية الرحلة دائماً. الأصعب، أحياناً، أن تحمل هذه العالميّة إلى مدينة أخرى، حيث لا يكتفي الناس باستقبال النجم، بل يعيدون توصيفه بلغتهم وثقافتهم وذاكرتهم.
هنا تحوّلت الصفقة تدريجيّاً من انتقال لاعب إلى انتقال صورة: من نجم عالميّ إلى لاعب محبوب في مدينة، ومن لاعب محبوب إلى اسم في أغنية، ومن اسم في أغنية إلى أثر في ذاكرة المكان.
كتبتُ طويلاً عن العلاقة المصريّة ـ التركيّة من بوّابة السياسة، وقرأت مصافحات مسؤوليها وتبدّل مواقفها، لكنّ طرابزون قدّمت هذه المرّة صورة مختلفة: علاقة يمكن أن تُرى وتُسمع من مدرّجات الرياضة.
لم يصل محمّد صلاح إلى مدينة طرابزون محتاجاً إلى تعريف جديد بنفسه. جاءها وهو يحمل اسماً صنعته الملاعب المصريّة والأوروبيّة، وجمهوراً يعرفه قبل أن يراه بقميص فريق “طرابزون سبور”. لكنّ المدينة تعاملت مع وصوله بطريقة جعلت السؤال يتغيّر: لم يعد الأمر مجرّد لاعب عالميّ اختار نادياً تركيّاً، بل مدينة أرادت أن تجعل من وصوله حدثاً يخصّها.
كان يمكن أن يمرّ انتقال لاعب كبير باعتباره خبراً رياضيّاً ينتهي مع أوّل مباراة. لكنّ مدينة طرابزون بدأت القصّة من مكان آخر: من استقبال اللاعب قبل أن تطلب منه أن يثبت نفسه في الملعب.
ظهر ذلك منذ الأيّام الأولى، حين تحوّل تقديمه إلى مناسبة جماهيريّة كبيرة. بدأت المدينة سريعاً في تحويل هذا الاسم إلى جزء من حكايتها، من حفل توقيعه أمام نحو 30 ألف مشجّع في آب الماضي، إلى الهتافات التي خصّصها له جمهورها، قبل أن يتحوّل اسم اللاعب المصريّ إلى جزء من ذاكرة مدينة تركيّة.
طرابزون تكتب صلاح بلغتها الخاصّة
هناك فرق بين أن ينتقل لاعب مشهور إلى نادٍ جديد، وأن تشعر مدينة كاملة بأنّ وصوله يعني شيئاً لها. في الحالة الأولى نتحدّث عن صفقة، وفي الثانية نتحدّث عن حكاية.
صلاح جاء إلى طرابزون بشهرته، لكنّ طرابزون هي التي بدأت، منذ اللحظة الأولى، في إعطاء هذه الشهرة معنى محليّاً جديداً. لم تبقَ المسألة عند حدود العلاقة بين صلاح والمستطيل الأخضر (ملعب كرة القدم).
ظهرت صورته في تفاصيل لا علاقة مباشرة لها بكرة القدم: امرأة من أهالي البحر الأسود تستقبله بأطباقها المحليّة، وأطفال يتابعون أخباره، ومشجّعون يبحثون عن الأماكن التي زارها، كما لو أنّهم يريدون الاقتراب من جزء من الحكاية التي جاء بها إلى مدينتهم.
من بين الصور الأكثر تعبيراً هي جولته في مرعى “ماشكا” وهضبة “كيرت ديره”، حيث لم تعد الأماكن مجرّد محطّات في زيارة لاعب، بل بدأ اسم صلاح يرتبط بها في ذاكرة الزوّار، فأصبح الحديث عن “مرعى صلاح” و”صخرة صلاح” جزءاً من الحكاية.
عندما تغادر النجوميّة ساحة اللعب وتترك أثراً في سلوك الناس وأماكنهم وذاكرتهم، تتغيّر طبيعة العلاقة بين النجم والمدينة.
صلاح يردّ على الحبّ بالأهداف
كان يمكن أن تنتهي حكاية محمّد صلاح في مدينة طرابزون عند حدود الاستقبال والصور والأغاني والقصص التي بدأت المدينة تنسجها حوله، وتعود الأمور بعدها إلى ساحة اللعب. لكنّ المباراة الأخيرة أمام فريق “غلطة سراي” جاءت لتضيف شيئاً لا تستطيع المدرّجات وحدها أن تصنعه.
في مواجهة “غلطة سراي”، أحد أكبر الأسماء في كرة القدم التركيّة، فاز “طرابزون سبور” بأربعة أهداف نظيفة. سجّل صلاح ثلاثة منها وصنع الرابع، وبدا كأنّه يكتب على أرض الملعب الفصل الذي كانت المدينة قد بدأته في المدرّجات.
هنا اكتملت حلقة صغيرة في الحكاية: مدينة فتحت أبوابها أمام نجم عالميّ، ونجم ردّ على هذا الاستقبال بما يعرفه جيّداً: أن يترك بصمته في الملعب.
النجوميّة تحتاج أحياناً إلى إنجاز يعيد تثبيت حضورها في المكان الجديد. وصل صلاح إلى طرابزون بشهرته العالميّة، لكنّ ثلاثيّته أمام فريق “غلطة سراي” منحت هذه الشهرة ترجمتها الرياضيّة المباشرة.
صلاح يفتح نافذة بين مصر وتركيا
حين يصل نجم عالميّ إلى مكان جديد، يعيد المكان إنتاج صورته بلغته وذاكرته وعاطفته. محمّد صلاح جاء إلى طرابزون اسماً مصريّاً صنعته الملاعب العالميّة، لكنّ جمهور المدينة لم يكتفِ بترديد اسمه، بل أعاد صياغة أغنية يعرفها ليجعل منها هتافاً خاصّاً به.
هناك فرق بين أن يهتف جمهور باسم لاعب، وأن يعيد بناء أغنية يعرفها حول هذا الاسم. الهتاف يمكن أن يكون لحظة حماسة، وأمّا الأغنية التي يُعاد إنتاجها له فتحتاج إلى دوافع أبعد من ذلك كي تعيش.
السياسة نفسها التقطت ظاهرة شعبيّة بدأت أصلاً خارجها. ففي 13 آب، وخلال مؤتمر صحافيّ مشترك في العلمين، قال وزير الخارجيّة التركيّ هاكان فيدان إنّ الحماسة التي رافقت انتقال صلاح إلى طرابزون قرّبت الشعبين التركيّ والمصريّ، فيما وجّه وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبدالعاطي الشكر إلى الشعب التركيّ على حفاوة استقباله.
لم يكن صلاح بحاجة إلى أن يتحوّل إلى دبلوماسيّ كي يؤدّي هذا الدور. يكفي أن يكون مصريّاً يحظى بهذا القدر من المحبّة في تركيا، وأن يجد جمهور تركيّ طريقته الخاصّة في الاحتفاء به، حتّى تظهر مساحة من التواصل الشعبيّ لا تستطيع السياسة اختراعها بقرار رسميّ.
لم يغيّر صلاح علاقة مصر بتركيا، ولم يكن مطلوباً منه ذلك. لكنّه أضاف إلى هذه العلاقة صورة مختلفة، ظهرت فيها الرياضة والثقافة والجمهور بعيداً عن البيانات والمصافحات الرسميّة. الوصول إلى العالميّة قد يصنع نجماً. أمّا أن تجد طريقك إلى ذاكرة مدينة أخرى، فذلك نجاح من نوع مختلف.
د.سمير صالحة
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.