نحو إعادة بناء دور الجمعية العامة لصناعة السلام العالمي / 2

3

بقلم د. ابراهيم العرب
إن تطوير دور الجمعية العامة لا ينبغي أن يفهم على أنه محاولة لنقل مركز القرار الدولي من مؤسسة إلى أخرى بصورة اعتباطية، وإنما باعتباره سعياً إلى معالجة خلل بنيوي في منظومة الأمن الجماعي. فالعالم الذي تأسست فيه الأمم المتحدة عام 1945 ليس هو العالم الذي نعيش فيه اليوم. آنذاك كانت المنظمة تضم عدداً أقل بكثير من الدول، وكانت طبيعة النزاعات الدولية وموازين القوة مختلفة، بينما أصبح المجتمع الدولي اليوم أكثر اتساعاً وتنوعاً وتعقيداً. كما أن مفهوم الأمن نفسه لم يعد محصوراً في الحرب التقليدية، بل بات يتداخل مع الأمن الغذائي والمائي، والتغير المناخي، والهجرة القسرية، والأمن السيبراني، والأوبئة، وانتشار الأسلحة، والأزمات الاقتصادية والإنسانية.
وقد عبّرت رئاسة الدورة الحادية والثمانين عن هذا الترابط عندما وضعت ضمن أولوياتها قضايا السلام والأمن والتنمية وحقوق الإنسان والتحديات العالمية المتداخلة، في إطار عنوان يستهدف استعادة الثقة بالنظام المتعدد الأطراف. ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للجمعية العامة يمكن أن تسير في اتجاهات عدة.
أولها، تعزيز قدرتها على التحرك الجماعي في حالات شلل مجلس الأمن، وتطوير الإجراءات المرتبطة بالدورات الاستثنائية الطارئة بحيث تصبح أكثر سرعة ووضوحاً وارتباطاً بآليات المتابعة والتنفيذ.
وثانيها، تحويل توصيات الجمعية العامة إلى أدوات سياسية وقانونية أكثر تأثيراً، من خلال إنشاء آليات مؤسسية لمتابعة تنفيذ التوصيات، وقياس مدى استجابة الدول لها، وربطها بجهود الوساطة والمفاوضات الدولية.
وثالثها، تعزيز الدور الوقائي للجمعية العامة. فالسلام لا يبدأ عند إطلاق الرصاصة الأولى، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: في الدبلوماسية الوقائية، والوساطة، والإنذار المبكر، ومعالجة أسباب النزاع، وحماية حقوق الإنسان، ومكافحة التمييز، ودعم التنمية. وإذا كانت الجمعية العامة تمثل المجتمع الدولي بأسره، فإنها مؤهلة لتكون فضاءً أوسع لبناء التوافق قبل أن تتحول الأزمات السياسية إلى نزاعات مسلحة.
لا يكفي أن تتكلم الأمم المتحدة؛ المطلوب أن يكون لصوتها أثر، فلقد أصبحت البيانات والخطب والقرارات جزءاً مألوفاً من الحياة الدبلوماسية الدولية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول القرار الدولي إلى غاية بحد ذاته، بدلاً من أن يكون وسيلة لتغيير الواقع.
فقد يعجز مجلس الأمن عن إصدار قرار بسبب الانقسام، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المجتمع الدولي عاجز عن تحديد المبادئ التي ينبغي أن تحكم التسوية، أو عن بناء إجماع دولي حول وقف القتال، أو حماية المدنيين، أو فتح الممرات الإنسانية، أو إطلاق مفاوضات سياسية.
إن الدعوة إلى تطوير الجمعية العامة لا تعني تجاهل ضرورة إصلاح مجلس الأمن نفسه. فالمؤسستان مترابطتان داخل منظومة واحدة، وأي إصلاح جدي للأمم المتحدة ينبغي أن يتناول مسألة تمثيل العالم داخل مجلس الأمن، وطبيعة العضوية الدائمة، وحدود استخدام حق النقض، وآليات اتخاذ القرار في القضايا التي تهدد السلم والأمن الدوليين. لكن إصلاح مجلس الأمن قد يحتاج إلى توافقات سياسية ودولية شديدة التعقيد. ولذلك لا ينبغي أن يصبح تعثر إصلاحه سبباً لتعطيل بقية مؤسسات المنظمة.
الجمعية العامة موجودة بالفعل، وتضم الدول الأعضاء كافة، وتمتلك قاعدة قانونية واسعة للنقاش والتوصية، كما أن قرار «الاتحاد من أجل السلام» يوفر، في ظروف محددة، آلية للتحرك عندما يفشل مجلس الأمن في أداء مسؤوليته بسبب الانقسام بين أعضائه الدائمين.
وعليه، فإن تطوير دور الجمعية العامة يمكن أن يكون أحد المسارات الواقعية لإعادة الحيوية إلى العمل المتعدد الأطراف، من دون انتظار اكتمال الإصلاح الشامل لمنظومة الأمم المتحدة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب النظام الدولي ليس مجرد اندلاع حرب هنا أو نزاع هناك، وإنما أن يترسخ لدى الشعوب الاعتقاد بأن القانون الدولي يعمل بصورة مختلفة باختلاف قوة الدولة وموقعها في ميزان القوة.
فالسلم المستدام لا يقوم على الردع وحده، ولا على التحالفات العسكرية وحدها، ولا على إرادة القوى الكبرى وحدها. إنه يحتاج أيضاً إلى شرعية دولية يشعر معها المجتمع الدولي بأن صوته مسموع، وأن قواعد القانون الدولي ليست امتيازاً لدول دون أخرى.
ومن هذه الزاوية، تبدو الجمعية العامة أكثر من مجرد قاعة تجتمع فيها وفود الدول مرة كل عام. إنها التجسيد المؤسسي لفكرة أن المجتمع الدولي، رغم تفاوت قدراته ومصالحه، يستطيع أن يجتمع حول قواعد مشتركة.
ولذلك فإن تفعيل الجمعية العامة لا ينبغي أن يكون مشروعاً موجهاً ضد مجلس الأمن، بل مشروعاً لإعادة التوازن إلى منظومة الأمن الجماعي. فحين يعمل مجلس الأمن، ينبغي أن يعمل بكامل مسؤوليته؛ وحين يتعذر عليه العمل بسبب الانقسام، ينبغي ألا يصبح ذلك مرادفاً لشلل المجتمع الدولي بأسره.
في الختام، بعد أكثر من ثمانين عاماً على تأسيس الأمم المتحدة، لم يعد كافياً أن نسأل ما إذا كانت المنظمة الدولية ما تزال صالحة للعصر؛ السؤال الأعمق هو: كيف نجعلها أكثر قدرة على خدمة العصر؟
ولعل الإجابة تبدأ من الاعتراف بأن الجمعية العامة تمتلك رصيداً لا يمكن الاستغناء عنه: الشرعية التمثيلية، واتساع العضوية، والمساواة في التصويت، والقدرة على جمع العالم حول طاولة واحدة. وما تحتاجه ليس مجرد صلاحيات جديدة على الورق، بل آليات تجعل صلاحياتها القائمة أكثر فاعلية وتأثيراً.
إن قرار «الاتحاد من أجل السلام» يمثل في هذا الإطار فكرة جديرة بإعادة التفكير والتطوير. فبدلاً من أن يبقى استثناءً يُستدعى عند انسداد الأفق، يمكن تعزيز آلياته الإجرائية والسياسية بما يضمن سرعة انعقاد الجمعية، واستمرارية المتابعة، وربط التوصيات بجهود الوساطة والدبلوماسية الوقائية، مع احترام حدود الميثاق والصلاحيات المقررة لمجلس الأمن.
لقد صُممت الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كي لا يتكرر الماضي. لكن العالم اليوم يواجه تحديات جديدة تعيد، بطرق مختلفة، اختبار الفكرة ذاتها: هل تستطيع البشرية أن تستبدل منطق القوة بمنطق القانون، ومنطق المواجهة بمنطق التفاوض، ومنطق الأمر الواقع بمنطق الشرعية؟
إن تطوير دور الجمعية العامة ليس حلاً سحرياً لكل أزمات العالم، لكنه يمكن أن يكون خطوة مؤسسية مهمة نحو جعل الأمم المتحدة أكثر تمثيلاً وفاعلية وقدرة على الاستجابة. فالسلام العالمي لا يحتاج إلى منظمة تتحدث باسم الإنسانية فحسب؛ بل يحتاج إلى منظمة تستطيع، عندما تتعطل موازين القوة، أن تمنح صوت المجتمع الدولي فرصة حقيقية لأن يتحول إلى فعل سياسي منظم، وإلى إرادة جماعية قادرة على صناعة السلام وحمايته.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.