من اليرزة إلى الدولة: الرسالة السعودية المتجددة إلى لبنان /2

8

بقلم د. ابراهيم العرب
دبلوماسية هادئة في زمن صاخب
ولا يمكن قراءة المناسبة بمعزل عن الحضور الشخصي للسفير فهد الدوسري وأسلوبه الدبلوماسي في مقاربة الشأن اللبناني. فقد بدا في خطابه وحضوره حريصاً على لغة هادئة تضع العلاقة بين البلدين في إطار الاحترام المتبادل، وتفتح قنوات التواصل مع مختلف المكونات اللبنانية.
وفي الدبلوماسية، ليست الكلمات وحدها هي التي تصنع الانطباع؛ فطريقة الإصغاء، واحترام الاختلاف، والابتعاد عن الاستعراض، والقدرة على إبقاء الحوار مفتوحاً حتى في أكثر المراحل حساسية، كلها عناصر تصنع صورة الدبلوماسي وتمنح حضوره معنى يتجاوز موقعه الرسمي.
ولعل هذه الروح هي التي جعلت المناسبة تبدو أقرب إلى لقاء لبناني ـ سعودي واسع، لا إلى احتفال سعودي منعزل عن البيئة اللبنانية. فالحضور الرسمي والسياسي والروحي والعسكري والأمني والدبلوماسي أعطى المناسبة بعداً جامعاً، وأبرز أن المملكة تتعامل مع لبنان من خلال تعدده، لا من خلال اختزاله في طرف أو جهة أو تيار.
العلاقات الاقتصادية تبدأ من الثقة
لكن العلاقات بين الدول لا تعيش على الذاكرة وحدها، مهما كانت هذه الذاكرة غنية. فاللبنانيون يتطلعون، بطبيعة الحال، إلى عودة العلاقات الاقتصادية والسياحية والاستثمارية إلى مستويات أكثر نشاطاً، وإلى استعادة الحركة التي لطالما طبعت الصلة بين الشعبين.
غير أن أي انفتاح اقتصادي يحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية وقانونية مستقرة. المستثمر يبحث عن دولة تحمي استثماره، والسائح يبحث عن بلد آمن، والشريك الاقتصادي يريد مؤسسات قادرة على تنفيذ التعهدات، والدول الصديقة تحتاج إلى بيئة يمكن أن تبني فيها تعاوناً طويل الأمد.
ولهذا فإن الانفتاح العربي على لبنان لا يمكن أن يحل محل الإصلاح اللبناني، كما أن الدعم الخارجي لا يمكن أن يكون بديلاً عن مسؤولية اللبنانيين في إعادة بناء دولتهم. العلاقة السليمة بين الدعم العربي والإرادة اللبنانية تقوم على التكامل، لا على الاتكال.
لبنان أمام مسؤوليته التاريخية
ربما تختصر المناسبة كلها في فكرة بسيطة، لكنها عميقة الدلالة: لبنان ليس خارج دائرة الاهتمام العربي، لكنه مدعو إلى أن يستعيد دوره من خلال استعادة دولته.
والمسؤولية هنا تقع أولاً على اللبنانيين أنفسهم. فلا يمكن مطالبة الأشقاء العرب بدعم لبنان، فيما يبقى الداخل اللبناني عاجزاً عن التوافق على قواعد واضحة لإدارة الدولة، أو فيما تستمر الانقسامات في تعطيل المؤسسات، أو تتعدد المرجعيات في الملفات التي يفترض أن تكون من صميم القرار السيادي.
إن استعادة الدولة ليست شعاراً سياسياً. إنها مسار يبدأ باحترام الدستور، وينتقل إلى انتظام المؤسسات، واستقلال القضاء، وتعزيز الجيش والقوى الأمنية، وحماية الحدود، وتثبيت مرجعية الدولة في القرار الوطني، وإعادة بناء الاقتصاد على أسس من الشفافية والإصلاح والمساءلة.
وعندها فقط يصبح الدعم العربي أكثر قابلية للتحول إلى شراكة مستدامة، لأن الشراكات بين الدول لا تقوم على العاطفة وحدها، مهما كانت الروابط الأخوية عميقة، وإنما تحتاج إلى مؤسسات وثقة ومصالح متبادلة.
من اليرزة إلى بيروت… ومن بيروت إلى الدولة
في اليرزة، احتفلت المملكة العربية السعودية بيومها الوطني، وشاركها لبنان الرسمي والشعبي فرحتها. غير أن المناسبة تركت، إلى جانب أجواء الاحتفال، سؤالاً أكبر من المناسبة نفسها: أي لبنان نريد أن تكون له علاقات راسخة مع أشقائه العرب؟
الجواب لا يحتاج إلى كثير من التعقيد. إنه لبنان الدولة؛ لبنان المؤسسات؛ لبنان الذي يحتكم إلى دستوره، ويحمي حدوده، ويصون قراره الوطني، ويضع السلاح والقوة والقرار السيادي في إطار الشرعية، ويفتح أبوابه أمام العالم من موقع الدولة الواثقة بنفسها لا من موقع الساحة المفتوحة على صراعات الآخرين.
ومن هنا، فإن الرسالة السعودية المتجددة إلى لبنان لا تبدو رسالة ظرفية مرتبطة بحفل أو مناسبة. إنها، في جوهرها، دعوة إلى استعادة المعنى الحقيقي للدولة، وإلى بناء علاقة عربية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والسيادة والاستقرار.
لقد كان حفل اليرزة مناسبة سعودية في ظاهرها، لكنه حمل في دلالاته شأناً لبنانياً بامتياز. فالمملكة، وهي تحتفل بما أنجزته دولتها على مدى عقود، بدت وكأنها تقول للبنان، من موقع الصديق والشقيق: إن الطريق إلى الدعم والاستقرار والانفتاح يمر أولاً عبر الدولة.
وعندما يستعيد لبنان دولته، لا يستعيد مؤسساته فحسب، بل يستعيد مكانته أيضاً؛ وعندما يستعيد قراره الوطني، يصبح قادراً على بناء علاقات متوازنة مع أشقائه وأصدقائه؛ وعندما يستعيد ثقته بمؤسساته، يصبح الدعم الخارجي رافعةً لبنائه لا بديلاً عنه.
من اليرزة، إذاً، لم تكن الرسالة موجهة إلى الحاضرين وحدهم، بل إلى لبنان بأسره: الدولة أولاً، والمؤسسات أولاً، والسيادة أولاً؛ وبعد ذلك يمكن لكل دعم عربي أن يجد في لبنان شريكاً قادراً على البناء والنهوض.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.