نصراوي لـ “الشرق” لقرارات اقتصادية تدعم صمود القطاع بدلاً من دفعه نحو خيارات صعبة كالإقفال القسري

حين يصرخ الصناعي.. يواجه تجاهلاً رسمياً يهدد استمراريته

8

كتبت ريتا شمعون

 

رغم ان الصناعة المحلية تؤمن نسبة كبيرة من استهلاك السوق المحلي (تحديدا في قطاعي الأغذية والمعقمات) إلا ان استمرار نزيف المحروقات وغياب الاستقرار الأمني يهددان قدرة المصانع المتبقية على الصمود مكرهة.

وقد أدى تصاعد أسعار المحروقات والطاقة الى وضع القطاع الصناعي في لبنان أمام تحديات غير مسبوقة مما نسف التعافي الطفيف الذي شهده القطاع بداية العام الماضي، ودفعه نحو نموذج تشغيل طارئ لضمان الاستمرارية.

في وقت تعجز الدولة اللبنانية عن تقديم الدعم المطلوب يتحمّل القطاع أعباءً إضافية وفق نائب رئيس جمعية الصناعيين في لبنان جورج   نصراوي الذي فنّد في حديث خاص لجريدة ” الشرق” أبرز عوامل صمود القطاع، والأثر المباشر لتصاعد أسعار المحروقات في لبنان.

فقال: إن القطاع الصناعي في لبنان أحد أكثر القطاعات تهميشا في السياسات الاقتصادية بالدولة، رغم هذا التهميش أثبتت الصناعة اللبنانية مرونة عالية بعد كل أزمة، حيث اتجه السوق محليا وعالميا نحو دعم المنتجات الوطنية كبديل للمستوردات الغالية، مما دفع العديد من المصانع لتطوير جودتها والاعتماد على التمويل الذاتي لفرضها نفسها في الأسواق خصوصا بعد ان توقفت المصارف اللبنانية فعليا عن تقديم القروض والتسليفات المصرفية للقطاعات الاقتصادية ولا سيما القطاع الصناعي منذ بدء الانهيار المالي والنقدي في عام 2019.

وأضاف نصراوي، يعد القطاع الصناعي في لبنان أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني ويعتبر فعليا أكبر مشغل لليد العاملة بعد القطاع العام، الى جانب إدخال العملة الصعبة جراء التصدير، ليتضح لنا دون أدنى شك أن الدولة لا تولي اهتماما كافيا للصناعة في لبنان.

أما ما هي أبرز عوامل التي يعزوها نصراوي الى هذا الإهمال:

– أسعار المحروقات، حيث تنعدم التغذية الكهربائية الحكومية المستقرة، مما يجبر المصانع على الاعتماد شبه الكامل على المولدات الخاصة، هذا يرفع كلفة الكيلوواط\ الساعة الى مستويات قياسية نتيجة تقلبات أسعار المازوت بالإضافة الى أعباء الصيانة والشحن وتأمين المحروقات، مضيفا: في الدول المجاورة مثل مصر، تؤمن الدولة الطاقة للمدن الصناعية بأسعار مدعومة وتفضيلية، وبخطوط كهرباء مستقرة لا تنقطع، مما يخفض كلفة الطاقة الإنتاجية بأكثر من 60% مقارنة بلبنان، مشيرا الى ان سعر الكيلوواط للمولدات الخاصة في لبنان يتراوح بين 45 الى 50 سنتا أميركيا وفقا لأسعار المازوت العالمية، اما الكلفة في مصر حوالى 3 الى 5 سنتات، وأسعار الكيلوواط ساعة في دول الخليج تعد من الأرخص عالميا، وغالبيتها تقع تحت 8 سنتات أميركية وذلك بفضل الدعم الحكومي الكبير لقطاع الطاقة. فالفارق الشاسع في سعر الكيلوواط ساعة بين لبنان والدول المجاورة يعد أحد أبرز الأسباب الهيكلية التي تضعف القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية وتدفع أسعارها للارتفاع.

– وانطلق نصراوي من ارتفاع كلفة المواصلات نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات للتركيز على موضوع بدل النقل للعاملين في المصانع والقطاع الخاص موضحا : مع قفزة أسعار المحروقات تضاعفت أسعار صفيحة البنزين بشكل حاد، حيث أصبحت أجور المواصلات تلتهم جزءاً كبيرا من دخل العامل قبل وصوله الى المصنع، وقد حدد بدل النقل اليومي  الرسمي بحيث لا يقل عن 500,000 ليرة لبنانية ولا يتجاوز 800,000 ليرة لبنانية، بمعنى أوضح لن يبقى بدل النقل مبلغا ثابتا، بل سيصبح مرتبطا بسعر المحروقات، معتبرا أن العامل شريكا وليس مجرد أجير وهو أساس استدامة الصناعة اللبنانية خاصة في ظل الأزمات الحالية مشددا على ضرورة تقديم بدلات نقل عادلة، ومؤكدا دعم  جمعية الصناعيين الكامل للعمال ومطالبهم ، مؤكدا في هذا السياق، أن كل مؤسسة  تقدم الدعم بحسب قدرتها وظروف عملها.

وتابع نصراوي، لا يقتصر أثر المحروقات على تشغيل الآلات، بل يمتد الى كلفة نقل المواد الأولية من المرفأ الى المصانع، وتوزيع البضائع الجاهزة الى الأسواق. هذا الارتفاع يرفع السعر النهائي للمستهلك ويقلل من قدرته الشرائية المتآكلة أصلا.

وقد جعل الارتفاع المستمر لكلفة صفيحة المازوت والبنزين أسعار السلع والمنتجات اللبنانية تتجاوز نظيراتها في الأسواق الإقليمية، مما حدّ من قدرة المصانع على التصدير لتعويض ركود السوق المحلي.

وفي الحديث عن حجم التصدير، يرى أن القرار السياسي السعودي بالعودة هو خطوة جيدة ، لكن العودة التجارية الفعلية تحتاج الى استراتيجية تسويقية لبنانية جديدة تركز على الجودة العالية والمنتجات المتخصصة التي تميز لبنان، لافتا الى ان غياب المنتجات اللبنانية عن السوق السعودي لعدة سنوات أجبر المستوردين والشركات في المملكة على إعادة توجيه سلاسل الامداد والاعتماد على أسواق بديلة استطاعت ملء الفراغ وأمنت السعودية احتياجاتها من مصر والأردن وتركيا ودول أوروبا الشرقية.

نصراوي، رفض بشكل قاطع مطالبة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والحكومة بإعادة دفع مبالغ تسوية جديدة لتعويضات نهاية الخدمة على أساس سعر الصرف المرتفع ( 89,500 ليرة للدولار) معتبرا أن الشركات والمؤسسات سددت كامل  متوجباتها واشتراكاتها القانونية ولا يمكنها الدفع مرتين، بالتالي فإن تحميلها مسؤولية انهيار قيمة العملة واحتجاز أموال الضمان في المصارف يعد أمرا غير عادل، مؤكدا ان جمعية الصناعيين لجأت الى مجلس شورى الدولة للطعن في آليات احتساب تسويات تعويضات نهاية الخدمة على سعر الصرف الجديد تفاديا لتحميل أصحاب العمل أعباء مالية ضخمة بأثر رجعي.

أمام هذا الواقع، يؤكد نصراوي، أن جمعية الصناعيين تسعى بشكل مستمر الى إيصال أوجاع أصحاب المصانع الى مؤسسات الدولة بهدف صياغة قرارات اقتصادية تدعم صمود القطاع بدلاً من دفعه نحو خيارات صعبة كالإقفال القسري، لافتا الى ان القطاع الصناعي يحتاج الى استراتيجيات إنقاذ عاجلة ” تفاديا للاضطرابات “ترتكز على تخفيض الكلفة، وتسهيلات مصرفية، ودعم التصدير وفتح أسواق خارجية جديدة.

وفي معرض المقارنة، وعلى الرغم من الانكماش الاقتصادي سجلت فاتورة الاستيراد أرقاما قياسية فقد بلغت فاتورة الاستيراد نحو 20 مليار دولار أميركي، غير ان حجم التصدير لا يتعدى 2الى 3 مليار دولار أميركي.

وأثار نصراوي، تساؤلات حول جدوى اتفاقية ” تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية” وأثرها على لبنان وصادراته، حيث يرى أنها تسبب ضغوطا على الإنتاج المحلي، مطالبا بإعادة النظر في آليات التطبيق حماية للقطاعات الاقتصادية والصناعية معتبرا ان غياب المعاملة بالمثل يضر بمصلحة الاقتصاد اللبناني، حيث تواجه الصادرات اللبنانية رسوماً أو عوائق استثنائية مؤقتة نتيجة إجراءات حماية محلية تتخذها بعض الدول، مثل (رسوم العبور، قرارات تجميد العمل بالاتفاقية أو فرض بدلات عبور إضافية على الشاحنات) مناشدا المسؤولين قائلاً: نتمنى عليكم التعامل بالمثل مع كل الدول العربية التي لا تنفذ اتفاق التجارة الحرة العربية والترانزيت المفتوح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.