هل تقود وساطة ترامب لإنهاء الحرب إلى جائزة نوبل للسلام؟
بقلم د. ابراهيم العرب
في زمنٍ تتكاثر فيه الحروب، وتتعثر فيه المبادرات، ويبدو فيه السلام كأنه حلم بعيد المنال، عاد اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى قلب النقاش الدولي من زاوية غير تقليدية: جائزة نوبل للسلام. ولم يعد هذا الطرح مجرد فكرة يرددها أنصاره في الحملات السياسية أو وسائل الإعلام، بل بات عنوانًا لنقاش أوسع يتغذّى من ملفات إقليمية ودولية يقول ترامب إنه لعب فيها دورًا حاسمًا لوقف التصعيد وفتح الأبواب أمام التسويات. واليوم، يبرز الملف اللبناني الإسرائيلي بوصفه واحدًا من أقوى الاختبارات التي قد تمنح هذا الطرح زخمًا استثنائيًا، لا سيما مع رعايته لمباحثات وقف إطلاق النار في البيت الأبيض، وما استجد فيها من إعلان واضح عن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة ثلاثة أسابيع، في خطوة قدّمها ترامب بوصفها مدخلًا عمليًا إلى فرصة أكبر لتحقيق السلام.
وكان ترامب قد أعلن، الخميس، في منشور على حسابه في “تروث سوشال”، أن قرار تمديد وقف إطلاق النار جاء بعد اجتماع عُقد في المكتب البيضاوي، حضره إلى جانبه كل من نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وسفير واشنطن لدى إسرائيل مايك هاكابي، بالإضافة إلى سفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى. ولم يكتفِ ترامب بالإعلان عن التمديد، بل شدد على أن الولايات المتحدة”ستعمل مع لبنان لمساعدته على حماية نفسه من حزب الله”، واختتم منشوره بالتعبير عن تطلعه إلى استضافة رئيس الجمهورية اللبنانية، في إشارة تحمل أبعادًا سياسية من شأنها تثبيت وقف إطلاق نار دائم.
وما يعزز دلالة هذه التطورات أن ترامب استقبل، مساء الخميس في البيت الأبيض، الوفدين اللبناني والإسرائيلي قبيل انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة، معلنًا أن “أمامنا فرصة كبيرة لتحقيق السلام بين لبنان وإسرائيل”. كما أضفى أعضاء إدارته على هذا المسار مزيدًا من الزخم السياسي؛ إذ قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن لبنان “عانى كثيرًا من حزب الله”، مضيفًا أن “لبنان وإسرائيل يريدان السلام”، فيما وصف جي دي فانس تمديد وقف إطلاق النار بأنه “لحظة تاريخية”. وهذه اللغة، بما تحمله من حماسة ورسائل ضغط ورعاية مباشرة، تمنح المسار التفاوضي ثقلاً رمزيًا وسياسيًا قد يصبّ في مصلحة ترامب إذا تمكّن من تحويل هذا الحراك إلى نتائج ملموسة.
ما يجعل هذه المباحثات ذات دلالة خاصة ليس فقط مضمونها، بل مكانها وتوقيتها ورمزيتها. فقرار نقل الاجتماع من مقرّ وزارة الخارجية الأميركية إلى البيت الأبيض لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل رسالة سياسية تقول إن الملف لم يعد مجرد ملف تفاوضي تقني، بل صار قضية يتابعها الرئيس الأميركي نفسه، ويريد أن يُحسب له فيها دور شخصي ومباشر. وفي عالم السياسة، كثيرًا ما تكون الرموز مقدمة للقرارات، وكثيرًا ما تعكس الجغرافيا السياسية حجم الرهان الحقيقي. وعندما يُفتح البيت الأبيض أمام حوار من هذا النوع، وتُتخذ فيه قرارات من حجم تمديد الهدنة، فإن الرسالة تصبح أوضح: هناك من يريد أن يتحوّل من راعٍ للمحادثات إلى صانعٍ للنتائج.
ومن هنا تحديدًا، يحاول الرئيس ترامب أن يقدّم نفسه بوصفه رجل الصفقات الصعبة والتسويات الكبرى، لا رجل الشعارات المجردة. فأنصاره يقولون إن أهم ما يميّز مقاربته هو أنه لا يتعامل مع النزاعات بوصفها أزمات مستعصية، بل ملفات قابلة للحل إذا توافر القرار السياسي والضغط المناسب والوسيط القادر على جمع الأطراف في مكان واحد. وفي الحالة اللبنانية، تبدو هذه المقاربة أكثر حساسية، لأن أي تقدّم في وقف إطلاق النار أو تثبيت التهدئة أو معالجة النقاط العالقة على الحدود يمكن أن ينعكس مباشرة على أمن المدنيين وعلى مستقبل الجنوب اللبناني. ولذلك، فإن خطوة التمديد الأخيرة ليست تفصيلًا عابرًا، بل قد تُقرأ باعتبارها اختبارًا أوليًا لقدرة ترامب على الانتقال من إدارة التهدئة إلى صناعة تسوية أوسع.
ولا يقف الرهان عند حدود وقف النار فحسب، بل يمتد إلى ما هو أكثر أهمية وتأثيرًا في الوجدان اللبناني: الحديث عن مساعدة لبنان في تحرير ما تبقى من أرضه المحتلة، والعمل على ملف الأسرى، إلى جانب تمكينه من حماية نفسه واستعادة استقراره الداخلي. هذا الطرح، إذا تحوّل من إطار التصريحات إلى مسار عملي جدي، سيكون نقطة تحوّل حقيقية. إذ إن الجائزة التي تحمل اسم السلام لا تُمنح فقط لمن يوقف المعارك مؤقتًا، بل لمن يفتح الطريق أمام تسويات تُعيد الحقوق، وتمنح الشعوب فرصة للعيش بكرامة وأمان. ومن هذه الزاوية، يحاول ترامب أن يبني صورة سياسية تقول إنه لا يريد فقط تهدئة جبهة مشتعلة، بل يسعى إلى إنتاج واقع جديد يخفف منسوب التوتر ويمنح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه.
ولعلّ ما يعزز هذا الطرح أن الحديث عن استحقاق ترامب لجائزة نوبل لم يعد حكرًا على دائرته الضيقة. فقد أثار الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا جدلًا واسعًا عندما اقترح منح ترامب الجائزة، في تصريح بدا مفاجئًا للكثيرين، حتى وإن قرأه البعض بالتباس. غير أن أهمية هذا الكلام لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه يعكس حقيقة أن اسم ترامب أصبح حاضرًا، بقوة، في التداول السياسي والإعلامي المتصل بالجائزة. فالجوائز الكبرى كثيرًا ما تبدأ من الجدل، وكثيرًا ما تنمو فرص أصحابها حين يتحول اسمهم إلى مادة يومية للنقاش العالمي.
ويستند مؤيدو ترامب إلى سجلٍّ يعتبرونه غنيًا بالمحطات التي تدعم حظوظه. فهم يذكّرون باتفاقيات أبراهام عام 2020، التي أحدثت اختراقًا مهمًا في مسار العلاقات العربية الإسرائيلية، ويرون فيها نموذجًا لسياسة تقوم على كسر الجمود بدل الاستسلام له. كما يستحضرون مفاوضاته المباشرة مع كوريا الشمالية، وعقده قمّتين تاريخيتين مع كيم جونغ أون، بوصف ذلك مؤشرًا على قدرته على فتح قنوات مع خصوم يتهيب كثيرون حتى الجلوس معهم. ويضيف بعضهم إلى ذلك ما يقال عن رعايته أو دعمه لمسارات تفاوضية أخرى في مناطق نزاع، معتبرين أن الرجل، سواء اتُّفق معه أو اختلف، أثبت أنه لا يخشى خوض الملفات التي يبتعد عنها الآخرون.
بل إن الصورة تزداد قوّة في نظر أنصاره عندما تُضاف إليها الرمزية السياسية التي أحاطت به في أكثر من مناسبة، ومنها تكريمات معنوية وعبارات إشادة من شخصيات معارضة حول العالم رأت فيه داعمًا لقضايا الحرية أو مانعًا لانهيارات أكبر. وهم يقولون إن نوبل للسلام لا يجب أن تبقى أسيرة التعريف التقليدي للوساطة الناعمة، بل يجب أن تنظر أيضًا إلى من يفرض التفاوض على الطاولة، ويمنع الانفجار، ويدفع الخصوم إلى القبول بخيار الحوار بدل النار. ومن هذا المنظور، فإن جمع الوفدين اللبناني والإسرائيلي في البيت الأبيض، وتثبيت وقف إطلاق النار، والإعلان عن مرحلة جديدة من الحوار المباشر، كلها عناصر يسعى ترامب إلى توظيفها في بناء روايته السياسية الدولية.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى نوبل ليس مفروشًا بالحماسة وحدها. فهناك من يشكك، وهناك من يرى أن بعض سياسات ترامب وخطابه الصدامي لا تنسجم تلقائيًا مع فلسفة الجائزة. كما أن خصومه يلفتون إلى أن السلام لا يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم الضجيج الإعلامي، بل بالنتائج الثابتة والمستدامة. وهذا اعتراض مشروع في السياسة، لأن الجوائز الكبرى لا تُمنح على النوايا وحدها، بل على ما ينجح صاحبه في فرضه على أرض الواقع. لكن هذه الملاحظة نفسها قد تصب في صالح ترامب إذا نجحت وساطته في الملف اللبناني الإسرائيلي في تحقيق اختراق فعلي، ولو تدريجي، يخفف التصعيد ويؤسس لتفاهمات أعمق، خصوصًا بعد أن انتقل المسار من مستوى الاتصالات إلى مستوى الالتزامات المعلنة والتمديد الرسمي للهدنة.
إن ما يميّز اللّحظة الراهنة هو أن ترامب لا يكتفي بأن يُقدَّم كمرشح محتمل لنوبل، بل يتحرك وكأنه يريد أن يكتب بنفسه المرافعة السياسية التي تؤهله لها. فهو يراهن على أن السلام ليس خطبة، بل مبادرة؛ وليس وعدًا، بل قرارًا؛ وليس صورة، بل إنجازًا. وإذا استطاع أن يحوّل رعايته لمباحثات لبنان وإسرائيل إلى مدخل لوقف دائم لإطلاق النار، وإلى خطوة تساعد لبنان في تثبيت حقوقه في الجنوب ومعالجة ملف أسراه، فسيكون قد قدّم للعالم حجة قوية يصعب تجاهلها. أما إذا نجح، فوق ذلك، في تحويل التمديد الحالي إلى مسار مستقرّ يمهّد لإطلاق تفاهمات سياسية أوسع، فسيكون قد نقل نفسه من موقع الوسيط الظرفي إلى موقع الفاعل الذي يغيّر معادلات الصراع.
في النهاية، قد يختلف كثيرون حول دونالد ترامب، وقد يتباين الناس في تقييم شخصيته وأسلوبه وسياساته، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن اسمه بات حاضرًا بقوة في ملف السلام، لا على مستوى الخطاب فقط، بل على مستوى المبادرات أيضًا. والسؤال لم يعد ما إذا كان ترامب يريد نوبل للسلام، بل ما إذا كانت إنجازاته المقبلة ستجعل الجائزة مضطرة إلى الالتفات إليه. وإذا كانت السياسة تُقاس بالنتائج، فإن وساطته بين لبنان وإسرائيل، وما رافقها من تمديد لوقف إطلاق النار، ورعاية مباشرة للمفاوضات، وإشارات أميركية إلى بناء مرحلة جديدة من الاستقرار، قد تكون اللحظة التي تنتقل فيها طموحاته من دائرة الجدل إلى دائرة الاستحقاق.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.