هل يعيد ترامب وبوتين رسم النظام العالمي الجديد؟ / 1

1

المحامي  أسامة العرب

لم تكن يالطا، في شباط 1945، مجرد محطة دبلوماسية سبقت نهاية الحرب العالمية الثانية، بل كانت لحظة كاشفة عن حقيقة لطالما حكمت العلاقات الدولية: حين تتغير موازين القوة، يجلس الكبار إلى الطاولة ليقرروا شكل العالم، فيما تجد الدول الأخرى نفسها أمام نتائج لم تشارك بالضرورة في صنعها. واليوم، مع التقارب المتجدد بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، يعود السؤال نفسه، وإن بأدوات مختلفة: هل نحن أمام تسوية براغماتية تفرضها المصالح المتبادلة، أم أمام إرهاصات نظام دولي جديد يعيد توزيع النفوذ على حساب الحلفاء، وفي مقدمتهم أوروبا وأوكرانيا؟

إن اتفاق الديزل الروسي، كما أُعلن عنه، يتجاوز في دلالاته حدود صفقة تجارية تهدف إلى تأمين الوقود أو احتواء ارتفاع الأسعار. فهو يأتي في لحظة دولية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها أزمات الطاقة مع الحروب الإقليمية، وتتراجع فيها الثقة بالتحالفات التقليدية، فيما تتقدم الحسابات الاقتصادية والسياسية المباشرة على الاعتبارات الأيديولوجية والقانونية التي حكمت جانباً مهماً من العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة.

 أولاً: الطاقة بوصفها أداة لإعادة ترتيب المصالح

أعادت أزمة الطاقة تذكير العالم بحقيقة أساسية: الاقتصاد ليس منفصلاً عن السياسة، والطاقة ليست سلعة تجارية محايدة حين تصبح طرق إمدادها وممراتها البحرية عرضة للصراع. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز، والتصعيد المحتمل في باب المندب، وما يرافقهما من مخاوف بشأن تدفقات النفط والغاز، يجعل أمن الطاقة عنصراً مركزياً في حسابات القوى الكبرى.

وفي هذا السياق، تبدو الصفقة الأميركية الروسية محاولة لتحقيق أكثر من هدف في وقت واحد. فواشنطن تحتاج إلى احتواء الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود، ولا سيما الديزل الذي يؤثر مباشرة في النقل والزراعة والصناعة وكلفة المعيشة. وأي انخفاض ملموس في الأسعار يمكن أن يتحول إلى مكسب سياسي لإدارة ترامب، خصوصاً في ظل حساسية الناخب الأميركي تجاه الأعباء الاقتصادية، واقتراب انتخابات التجديد النصفي. لكن اختزال الاتفاق في الحسابات الانتخابية وحدها لا يكفي لفهم أبعاده. فالولايات المتحدة تسعى أيضاً إلى امتلاك هامش أوسع للمناورة إذا تفاقمت المواجهات في الشرق الأوسط، أو تعرضت الممرات البحرية الحيوية لاضطرابات جديدة. ومن هذه الزاوية، يصبح تأمين مصادر إضافية للوقود نوعاً من التحوّط الاستراتيجي، لا مجرد استجابة ظرفية لأزمة في الأسواق.

في المقابل، تجد روسيا فرصة لاستعادة جزء من قدرتها على الحركة الاقتصادية، وفتح نافذة جديدة لتسويق منتجاتها النفطية، وتخفيف بعض آثار العزلة التي فرضتها العقوبات الغربية منذ اندلاع الحرب على أوكرانيا. والأهم أنها تستطيع تقديم نفسها مجدداً بوصفها طرفاً لا يمكن تجاوزه في معادلات أمن الطاقة العالمي.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الإعلان السياسي والنتيجة الاقتصادية الفعلية. فتأثير الكميات المتفق عليها في الأسعار يتوقف على انتظام التسليم، وحجم الطلب، وقدرة المصافي الروسية على الإنتاج، وطبيعة القيود القانونية واللوجستية. لذلك، لا يصح افتراض أن الصفقة ستنهي أزمة الطاقة أو تحقق بالضرورة انخفاضاً كبيراً ومستداماً في الأسعار. فقد تكون قيمتها السياسية أكبر من مردودها التجاري المباشر.

ثانياً: ماذا يكسب ترامب، وماذا يجني بوتين؟

بالنسبة إلى ترامب، تمنحه الصفقة فرصة لإظهار قدرته على انتزاع حلول سريعة من خصوم الولايات المتحدة، من دون الانخراط في التزامات عسكرية جديدة أو انتظار تسويات دولية معقدة. وهو بذلك يعيد تقديم نفسه باعتباره رئيساً يفضّل الصفقات المباشرة على المسارات الدبلوماسية الطويلة، ويقيس النجاح بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة للداخل الأميركي.

أما بوتين، فقد يكون المستفيد الأبعد مدى. فروسيا لا تحصل على منفذ اقتصادي إضافي فحسب، بل تنال أيضاً اعترافاً سياسياً ضمنياً بأن عزلها الكامل ليس خياراً عملياً حين تتعارض العقوبات مع المصالح الاستراتيجية للدول التي فرضتها. وهنا تكمن المفارقة: الدولة التي سعى الغرب إلى تقليص قدرتها على التأثير في الأسواق العالمية تعود إلى التفاوض مع واشنطن من موقع الشريك الضروري لتأمين احتياجاتها. وإذا اقترن الاتفاق بتخفيف مؤقت للعقوبات، فإن موسكو تستطيع توظيفه لتوسيع هامشها الاقتصادي والتفاوضي، حتى لو لم يكن ذلك كافياً لإنهاء الضغوط التي تواجهها.

ويزداد الأمر أهمية إذا ربطنا الاتفاق بالإعلان عن وقف استهداف منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا. فمثل هذا التفاهم، إذا ثبتت استمراريته واتسع نطاقه، قد يشكل خطوة نحو خفض التصعيد، لكنه لا يعادل اتفاق سلام، ولا يحسم القضايا الجوهرية المتعلقة بالأراضي والسيادة والضمانات الأمنية ومستقبل أوكرانيا.

كما أن التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وموسكو لا يعني بالضرورة أن كييف شريك متكافئ في صياغته. وإذا جرى التفاوض بشأن أمنها من دون مشاركتها الفعلية، فإن وقف إطلاق النار قد يتحول من فرصة لبناء سلام مستدام إلى تسوية مؤقتة تُفرض عليها تحت ضغط اختلال موازين القوة.

 ثالثاً: أوروبا أمام اختبار الثقة الاستراتيجية

إذا كانت واشنطن وموسكو قادرتين على تحويل أزمة الطاقة إلى فرصة للتفاهم، فإن أوروبا تواجه معضلة أكثر تعقيداً. فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا، عملت الدول الأوروبية على تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، وتحملت كلفة اقتصادية مرتفعة لتنويع مصادر الإمداد وتعزيز أمنها الاستراتيجي. وقد انعكست هذه الخيارات على تنافسية قطاعات صناعية، وعلى أسعار الطاقة، وعلى معدلات التضخم والنمو. وفي الوقت نفسه، رفعت الحكومات الأوروبية إنفاقها الدفاعي استجابة لتصاعد المخاوف الأمنية، وللضغوط الأميركية الرامية إلى تحميل الحلفاء مسؤولية أكبر عن دفاعهم. لكن ماذا يعني أن تعود واشنطن نفسها إلى إبرام تفاهمات اقتصادية مع موسكو، فيما تطالب الأوروبيين بمواصلة تحمل أعباء المواجهة معها؟

يتبع غداً

المحامي  أسامة العرب

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.