هل يعيد ترامب وبوتين رسم النظام العالمي الجديد؟ / 2
المحامي أسامة العرب
المشكلة لا تكمن في أن الولايات المتحدة تفاوض روسيا، فالدبلوماسية لا تفقد مشروعيتها لمجرد أن أطرافها متخاصمون. بل تكمن في احتمال أن تصبح المصالح الأميركية الداخلية معياراً لتحديد مسار العلاقة مع موسكو، من دون مراعاة كافية للمخاطر التي قد تتحملها أوروبا نتيجة هذه التفاهمات. ومن هنا، يمكن فهم القلق الأوروبي من أن تتحوّل الصفقة إلى سابقة تسمح لواشنطن بتغيير قواعد التعامل مع روسيا عندما تقتضي مصالحها ذلك، بينما تبقى العواصم الأوروبية مكبلة بالتزامات سياسية وأمنية واقتصادية نشأت في مرحلة سابقة.
غير أن أوروبا ليست مجرد متلقٍّ سلبي للقرارات الأميركية. فهي تمتلك قدرات اقتصادية ومؤسساتية ودبلوماسية كبيرة، وإن كانت تعاني تفاوتاً في الرؤى بين دولها بشأن روسيا وأوكرانيا والدفاع المشترك. والتحدي الحقيقي أمامها ليس إعلان الاستقلال عن الولايات المتحدة، وهو خيار لا تتيحه الظروف الراهنة بسهولة، بل بناء قدرة أوروبية فعلية على اتخاذ القرار، وتأمين الاحتياجات الحيوية، والتأثير في التسويات التي تمس أمن القارة. فالاستقلال الاستراتيجي لا يتحقق بالخطب السياسية، وإنما بتكامل السياسات الدفاعية، وتطوير الصناعات العسكرية، وتنويع مصادر الطاقة، وتنسيق المواقف الخارجية. وما لم تنتقل أوروبا من الاعتماد على المظلة الأميركية إلى شراكة أكثر توازناً معها، فستظل معرضة لأن تجد نفسها أمام تفاهمات تُصاغ فوق رأسها.
رابعاً: هل نحن أمام يالطا جديدة؟
تستمد المقارنة مع مؤتمر يالطا أهميتها من رمزيته التاريخية. ففي عام 1945، اجتمع فرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل وجوزيف ستالين في لحظة انتقال دولي كبرى، وبحثوا ترتيبات ما بعد الحرب، ومستقبل أوروبا، وتوازنات القوة التي أسهمت لاحقاً في تكريس انقسام القارة خلال الحرب الباردة. لكن التشابه بين تلك اللحظة والمرحلة الراهنة لا ينبغي أن يحجب الاختلافات الجوهرية. فقد انعقد مؤتمر يالطا في نهاية حرب عالمية مدمرة، وكانت القوى المنتصرة تمتلك جيوشاً على الأرض ومجالات نفوذ تتشكل بفعل الوقائع العسكرية. أما اليوم، فإن النظام الدولي أكثر تعددية وتعقيداً، وتؤثر فيه قوى اقتصادية وعسكرية صاعدة، وفي مقدمتها الصين، فضلاً عن المؤسسات الدولية والتشابكات التجارية والمالية التي تجعل تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ مغلقة أمراً بالغ الصعوبة. لذلك، لا أرى أن اتفاق الديزل وحده يكفي للحديث عن يالطا جديدة بالمعنى التاريخي المباشر. فلا دليل، بمجرد إبرام صفقة طاقة أو إعلان تفاهم محدود، على وجود اتفاق شامل لتقسيم العالم أو الاعتراف المتبادل بمناطق نفوذ ثابتة.
لكن التحذير يصبح أكثر وجاهة إذا نظرنا إلى الاتفاق باعتباره مؤشراً محتملاً على أسلوب جديد في إدارة العلاقات الدولية: تفاهمات ثنائية بين القوى الكبرى، تُقدَّم فيها المصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة على التشاور مع الحلفاء، ويُنظر إلى الدول الأصغر بوصفها عناصر يمكن إعادة ترتيب مواقعها ضمن تسويات أوسع. وفي هذا المعنى، قد لا تكون يالطا الجديدة مؤتمراً يجتمع فيه الزعماء حول طاولة واحدة، بل مساراً تدريجياً تتراكم خلاله الصفقات المنفصلة، فتنتج واقعاً دولياً جديداً من دون إعلان رسمي عن قيامه. وقد يبدأ هذا المسار بالطاقة، ثم يمتد إلى أوكرانيا، ويصل إلى ملفات أخرى تتصل بأمن أوروبا والشرق الأوسط وتوازنات المحيطين الهندي والهادئ.
وهنا تبرز أهمية الصين، التي لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد طرف ينتظر دوره في تفاهم أميركي روسي. فبكين تملك مصالحها الاستراتيجية، وتسعى إلى حماية موقعها الاقتصادي وتعزيز نفوذها الدولي، ولن تكون بالضرورة مستعدة لقبول ترتيبات تصوغها واشنطن وموسكو بمعزل عنها. وعليه، فإن النظام الذي يتشكل قد لا يكون عودة إلى الثنائية القطبية القديمة، بل انتقالاً إلى تعددية قطبية تتعايش فيها الشراكات المتغيرة مع المنافسات الحادة.
خامساً: منطق القوة وحدود النظام الدولي
إن أخطر ما تكشفه هذه التطورات ليس مجرد احتمال تقارب أميركي روسي، بل تراجع الثقة بإمكانية أن تشكّل القواعد الدولية ضمانة كافية للدول التي لا تمتلك قوة عسكرية أو اقتصادية توازي قوة الكبار. فعندما يصبح مصير دولة كأوكرانيا موضوعاً لتفاهمات لا تملك السيطرة الكاملة على شروطها، وعندما تشعر أوروبا بأن مصالحها قد تُقدَّم قرباناً لصفقة اقتصادية عابرة للأطلسي، تتجدد المخاوف من عودة السياسة الدولية إلى منطق مناطق النفوذ، حيث تُقاس الحقوق بميزان القوة أكثر مما تُحمى بالقانون.
ومع ذلك، فإن الواقعية السياسية لا تعني التسليم بأن القوة وحدها تصنع الشرعية. فالاتفاقات التي تتجاهل سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها قد تنجح في فرض هدوء مؤقت، لكنها تزرع في الوقت نفسه أسباب نزاعات لاحقة. والسلام المستدام لا يقوم على توزيع المكاسب بين الأقوياء فحسب، بل على تسوية تعالج مصادر الصراع، وتوفّر ضمانات قابلة للتنفيذ، وتحترم الأطراف التي ستتحمل نتائجها.
وهذا ما يجعل مستقبل الاتفاق الأميركي الروسي مرتبطاً بما سيتبعه، لا بما أُعلن عنه وحده: هل سيفتح الباب أمام مفاوضات جدية تنهي الحرب في أوكرانيا، أم سيقتصر على تبادل المنافع الاقتصادية ووقف مؤقت لبعض العمليات؟ وهل ستشارك أوروبا وأوكرانيا في رسم التسوية، أم ستُطلب منهما المصادقة على وقائع أنتجتها تفاهمات الآخرين؟
إن اتفاق ترامب وبوتين، إذا استقر على الصورة المعلنة، لا يشكل بذاته يالطا جديدة، لكنه يضع العالم أمام احتمال لا يجوز الاستهانة به: أن تتحول البراغماتية الاقتصادية إلى مدخل لإعادة توزيع النفوذ السياسي والأمني، وأن تستعيد القوى الكبرى حقاً غير معلن في تقرير مصائر الدول الأقل قدرة على التأثير. فالطاقة قد تكون موضوع الصفقة، لكنها ليست بالضرورة غايتها النهائية؛ إذ تتداخل فيها حسابات الانتخابات الأميركية، ومصالح روسيا الاقتصادية، وأمن الممرات البحرية، ومستقبل الحرب الأوكرانية، وموقع أوروبا في النظام الدولي المقبل. والدرس الأهم أن التحالفات لا تبقى متماسكة لمجرد أنها تأسست على مصالح مشتركة في الماضي، وأن الدول التي لا تسهم في صناعة التفاهمات ستجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع نتائجها. ومن هنا، لا يكفي أن تعترض أوروبا على تهميشها، بل عليها أن تمتلك الأدوات التي تمنع تهميشها. كما لا يكفي أن تراهن أوكرانيا على استمرار الدعم الخارجي، بل تحتاج إلى تسوية تحفظ سيادتها وتمنح أمنها ضمانات حقيقية.
أما العالم العربي، الذي تقع دوله عند تقاطع طرق الطاقة والممرات البحرية والصراعات الإقليمية، فليس بعيداً عن هذه التحولات. إذ إن أي تفاهم بين القوى الكبرى قد ينعكس على أمن الخليج، ومضيق هرمز، وباب المندب، وأسواق الطاقة، وتوازنات الشرق الأوسط. ولذلك، تزداد الحاجة إلى تنسيق عربي يحمي المصالح المشتركة ويمنع تحويل المنطقة إلى ساحة لتبادل الرسائل أو عقد الصفقات على حساب استقرارها.
إن يالطا الجديدة، إن وُلدت يوماً، لن تعلن بالضرورة عن نفسها باسمها التاريخي؛ فقد تأتي في صورة اتفاقات متفرقة، أو تفاهمات اقتصادية، أو تسويات أمنية تُصاغ بعيداً عن أصحاب المصالح المباشرة. لكن منعها من التحوّل إلى واقع لا يكون بالخشية وحدها، بل ببناء القوة، وتحصين السيادة، وتوسيع الشراكات، والتمسك بقواعد دولية لا تجعل حقوق الدول الصغيرة رهينة تفاهمات الكبار. ففي عالم تتقدم فيه المصالح على الشعارات، لا يكفي أن تكون الدولة محقة؛ ينبغي أيضاً أن تمتلك القدرة على حماية حقها، وأن تكون حاضرة حين تُرسم ملامح المستقبل، لا مجرد اسم يُذكر بعد انتهاء المفاوضات.
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.