وصف صندوق النقد الدولي الأزمة في لبنان بأنها” نظامية ” لم يكن مستغربا وعلامة “للشرق” نعم الفساد مستشري ولبنان اليوم في قلب العاصفة ” سواء اقتصادية أو اضطرابات سياسية”
كتبت ريتا شمعون
تصنيف لبنان بين الدول الأكثر فساداً في العالم وفق تقارير دولية أبرزها لصندوق النقد الدولي ومنظمة الشفافية الدولية، لم يكن تفصيلاً عابراً، ولا مسألة بسيطة يمكن تجاوزها، هو مؤشر دقيق يعكس حالة البلاد.
قد اعتمد صندوق النقد الدولي وخبراء الاقتصاد مصطلح ” الأزمة النظامية” لتوصيف الحالة اللبنانية ويعني ذلك :
تقنيا: الأزمة ليست محصورة في تعثر مصرف واحد أو قطاع محدد، بل طالت في آن واحد، الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية والعملة الوطنية ومدخرات المودعين. أي انهيار شامل لكل مقومات النظام المالي والاقتصادي.
سياسيا: هي انعكاس مباشر للخيارات السياسية وبنية النظام الطائفي، والفساد وغياب المحاسبة على مدى عقود.
لكن النقطة الأهم هي ان ما حصل كان أزمة نظامية داخلية المنشأ ( Endogenous) أي انها ولدت من داخل النظام نفسه على يد الأشخاص الذين كانوا يديرونه ويستفيدون منه، وليس نتيجة صدمة خارجية فرضت على لبنان.
حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، يقول، أن الأزمة اللبنانية نعم، هي ازمة نظامية شاملة وليست أزمة مصرف أو عدة مصارف فقط، تشمل الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية في آن واحد، مقدرا حجم الخسائر في القطاع المصرفي بنحو 80 مليار دولار، معتبرا أن المسؤولية موزعة على:
الدولة اللبنانية باعتبارها المسؤول الرئيسي عن العجز والاستدانة المزمنة.
مصرف لبنان بسبب الإخفاق في الرقابة وإدارة المخاطر.
المصارف التجارية التي استفادت من النموذج المالي القائم.
المودعون هم الضحية الأساسية ولا يتحملون مسؤولية مباشرة عن الأزمة.
بمعنى أن جوهر الأزمة اليوم، بحسب رؤية سعيد، لم يعد تقنيا أو ماليا فقط، بل مرتبط بقدرة الدولة والقوى السياسية على تنفيذ الإصلاحات وتحمل المسؤوليات.
الخبير الاقتصادي الدكتور بلال علامة في حوار خاص لجريدة” الشرق” يقول إن وصف الازمة ” نظامية” لم يكن مستغربا، لأن صندوق النقد الدولي ينظر الى الأزمة النظامية في لبنان على انها انهيار متكامل ضرب كل هيكل النظام المالي في لبنان، ولم يعد حصراً على مؤسسة واحدة، مذكراً بالأسباب التي أدّت الى عرقلة عملية توزيع الخسائر بطريقة عادلة وصحيحة، بالإضافة الى تضارب الرؤى بين الحكومة، والمصارف بشأن الجهة التي يجب ان تتحمل العبء الأكبر، مضيفا: لو لم يكن لبنان يواجه أزمة نظامية شاملة كنا اختزلنا الأزمات الاقتصادية في المصرف المركزي وحده، على سبيل المثال، مؤكدا ان السياسات المالية التي انتهجتها الدولة اللبنانية لعقود أدّت الى تحويل الأزمة الى ” نظامية”، فالغطاء السياسي هو من سمح للمصارف بارتكاب المخالفات من دون مساءلة أو محاسبة.
ووفق علامة، نشأت الأزمة المالية والنقدية في لبنان في شكلها المعاصر في العام 1916 مع سياسات الهندسات المالية التي أطلقها مصرف لبنان والتي طبقت بطريقة استنسابية، ومصلحية وقد مكنت المصارف التجارية بالفعل من تحقيق أرباح دفترية ضخمة على حساب الدولة ومصرف لبنان، موضحا، أن السياسات المالية والاقتصادية في لبنان يعتبرها صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير، ” فساد معشعش” ومستشري ولا قدرة للبنان على مواجهتها في ظل انعدام الحوكمة وغياب السياسات المالية السليمة وغياب القوانين التي تسمح لاحقا بمحاسبة المخالفين، مؤكدا علامة، ان الازمة بدأت في العام 2016 وانفجرت في العام 2019 -2020 وهي من صنع الطبقة السياسية والمالية الحاكمة التي تتحمّل مسؤولية الانهيار المستمر في البلد.
وأضاف علامة، أدّى التقاعس السياسي الى تعثر لبنان المزمن في إقرار حزمة الإصلاحات التي اشترطها صندوق النقد الدولي منذ توقيع الاتفاق المبدئي ( خمس سنوات) فاقتصرت الإنجازات على خطوات مجتزأة وقوانين خضعت لتعديلات مستمرة في محاولات تنطوي على الغش والاحتيال على المنظمات الدولية تحت عنوان” الضحك على الذقون” مارستها القوى السياسية التي تملك أدوات القوة والتشريع والتنفيذ في هذا النظام ، بالتالي عشعش الفساد وانتشر في كل مفاصل الدولة.
واعتبر علامة، أن موقف صندوق النقد الدولي إطاراً رسميا معتمداً للمقاربة المالية والاصلاحية، مؤكدا أن تداعيات ” الأزمة النظامية” ، لن تكون فورية على الأقل في الوقت الراهن، لكن ربما سيواجه لبنان أياما صعبة في المستقبل إذا لم تقرّ الدولة القوانين الإصلاحية المطلوبة، وتضبط عمل المؤسسات، أما الحلّ برأيه هو، تنحي السلطة السياسية بكل مكوناتها والإتيان بأشخاص كفوئين وأخصائيين لإدارة الأزمات الاقتصادية والمالية وإلا يمكن أن يكون للأزمة النظامية عواقب أو تبعات اقتصادية ومالية واجتماعية وخيمة، ربما تنقل لبنان من اللائحة الرمادية الى اللائحة السوداء.
ويعنون علامة، الوضع الاقتصادي الحالي في لبنان، قائلاً: ” لبنان في قلب العاصفة “حيث يشهد مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الأزمات الأمنية مع الأزمات الاقتصادية العالمية فضلا عن “عاصفة العزلة ” والأثمان الباهظة التي يتكبدها البلد، ( سواء كانت أزمة اقتصادية أو اضطرابات سياسية أو كارثة كبرى) متخوفا من ان لبنان عند استنفاد كل المقومات قد ينزلق نحو ” القعر” ولم يتمكن من الخروج من قلب العاصفة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.